الامام موسی الکاظم فی محنه التاریخ
صفحة ٥١ من ٢٥١

وكان هارون ربما صنع سطحاً يشرف على الحبس الذي فيه الإمام (ع) فكان يراه ساجداً، فقال يوماً للربيع: يا ربيع ما هذا الثوب الذي أراه كلّ يوم في ذلك الموضع؟! فقال: يا أمير المؤمنين ما ذاك بثوب وإنما هو موسى بن جعفر (ع) له كلّ يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال.

فقال هارون: أما إنّ هذا من رهبان بني هاشم، فقال الربيع: فمالك قد ضيّقت عليه في الحبس؟! قال: هيهات لا بُدّ من ذلك(١).

إنّ هارون يعترف في قرارة نفسه بورع وتقوى وتقديس الإمام (ع) فلذا خاف على نفسه وملكه، فبرّر عبس الإمام (ع) بشيء لم يقنع به نفسه.

ولكن في النهاية فإن الرشيد إذا كان من رهبان بني هاشم، تطبيقاً من شأن الإمام، لابد أنه آذى الإمام، وممارسة هذا الورع نفسه، وكأنّه لا علم له بالسياسة، فليس أهلاً لتحمل المسؤولية!

فلقد سمحت الفرصة لتبرير هارون فيبدو فيبدو، عمّا دلك فلقد ضيّقت عليه في الحبس فلينتقم منه ما لله ذلك.

فلم يجد هارون جواباً قال: هيهات لا بُد من ذلك.

وعن أحمد بن عبد الله بن أبي ذلك: دخلت على المفضل بن الربيع وهو جالس على سطح له، فقال لي: أشرف على هذا البيت فانظر ما ترى؟ فقلت: ثوباً مطروحاً. قال: انظر حسناً فتأملت فقلت: رجل ساجداً. فقال لي: تعرفه؟ قال: لا. قال: هذا مولاك. قلت: ومن مولاي؟! قال: تتجاهل عليّ! قلت: ما أتجاهل ولكن لا أعرف لي مولىً. فقال: هذا أبو الحسن موسى بن جعفر العبد الصالح. إنّي أتفقّده الليل والنهار فلم أجده في جميع أوقاتي إلّا على الحال التي أُخبرك بها: إنّه يصلّي الفجر فيعقّب إلى أن تطلع الشمس، ثمّ يسجد سجدة فلا يزال ساجداً حتّى تزول الشمس، وقد وكّل من يترصّد له الزوال فلست أدري متى يقول له: قد زالت الشمس إذ يثب فيبتدئ الصلاة من غير أن يحدث وضوءاً، فأعلم أنه لم ينم في سجوده ولا أغفى، فلا يزال يصلّي إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فإذا صلّى العصر سجد سجدة فلا يزال ساجداً إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت الشمس وثب من سجدته من غير أن يحدث حدثاً فلم يزل كذلك يصلّي ويعقّب إلى أن يصلّي العتمة، فإذا صلّى العتمة أفطر على شويهة تحمل إليه ثمّ يجدّد الوضوء ثمّ يسجد ثمّ يرفع رأسه فينام نومة خفيفة ثمّ يقوم فيجدّد الوضوء ثمّ يقوم فلا يزال يصلّي في جوف الليل حتّى يطلع الفجر(٢).

(١) عيون الأخبار ج ١، ص ٩٥.

(٢) عيون المصدر ص ١٧٧، بحار الأنوار ج ١٠، ص ١٠٦.

٥٦