عن ذلة العير، وخير الأمور أوساطها(١). وقد كان استقباله له مجاملة للسلطان ومداراة وتقية.
ثم تحوّل هارون إلى قبر رسول الله (ص) فاجتمع مع الإمام موسى بن جعفر عند القبر الشريف، فقال هارون للنبي (ص): «السلام عليك يا ابن العم افتخاراً على من حوله»، فدنا الإمام من القبر وقال: «السلام عليك يا أبه، فتغير وجه الرشيد، ولم يحتملها، ثم قال: «والله يا أبا الحسن هذا هو الفخر والشرف حقاً»(٢).
لقد كان الإمام بين موقف دفاعي وهجومي تارة أخرى، ففي افتخار هارون على من حوله بقرابته من رسول الله (ص) تمويه على الرعية بأنه أهل لهذا المنصب، فبادر الإمام مهاجماً بكلمة حق قائلاً: «يا أبه» فهو يقول إذن إنك غاصب لمقامي، إذا كنت تدعي أن القرب من رسول الله هو الذي أحلّك هذا المقام، فلم تكن وظيفة الإمام مقتصرة على نشر العلوم فحسب، بل هي حفظ خط الإمامة بشتى الأساليب، والتي منها نشر الثقافة الإسلامية.
وفي كامل الزيارات فلما سمع هارون ذلك قال لعيسى بن جعفر سمعت ما قال؟ قال: نعم. فقال هارون: أشهد أنه أبوه حقاً(٣).
وكانت هذه المقالة من الإمام (ع) أحد الأسباب التي دعت هارون إلى اعتقال الإمام (ع) في سجونه.
فلما جنّ الليل عاود الرشيد قبر رسول الله (ص) فوقف عند قبره كالمخاطب له: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله إني أعتذر إليك من أمر عزمت عليه وأريد أن آخذ موسى بن جعفر فأحبسه، لأني قد خشيت
(١) بحار الأنوار ج٤٨ ص١٠٣ ـ ١٥٨، الفصول المهمة ص٢٣٩.
(٢) الكامل في التاريخ ج٢٤ ص٥٩، تذكرة الخواص ص٣١٤، بحار الأنوار ج٤٨ ص١٣٦، الصواعق المحرقة ص٢٠٤، رسالة الصبان ص٢٢٧، الاحتجاج ج٢ ص١٦٥، نور الأبصار ص١٥١، مناقب ابن شهرآشوب ج٣ ص٣٢٠، روضة الواعظين ص١٨٢.
(٣) الكامل في التاريخ ج٤ ص١٨.
‹