الامام موسی الکاظم فی محنه التاریخ
صفحة ٩٥ من ٢٥١

أبرأ لصدري، وأكذب لقول المسرعين فيك، ولكل إنسان غذاء قد اغتذاه، وألفت عليه طبيعته، ولعلك اغتذيت بالمدينة أغذية لا تجد من يصنعها لك هاهنا، وقد أمرت الفضل أن يقيم لك من ذلك ما شئت، فمره بما أحببت وانبسط فيما تريده، قال: فجعل (ع) الجواب في كلمتين من غير أن يلتفت إليّ فقال: لا حاضر مال فبنفعني ولم أخلق سؤولاً، الله أكبر ودخل في الصلاة.

قال: فرجعت إلى هارون فأخبرته فقال لي: فما ترى في أمره؟ فقلت: يا سيدي لو خططك في الأرض خطة فدخل فيها، ثم قال لا أخرج منها ما خرج منها، قال: هو كما قلت ولكن مقامه عندي أحب إليّ(١).

فقد ظنّ هارون أن الإمام (ع) يميل إلى الدعة والسعة والرفاهية، والتلذذ بأصناف الأطعمة والأشربة، كما هو عليه، ولكن الإمام (ع) وعظ هارون بأن لا يكون مغروراً بماله كقارون، لأن للإنسان هدفاً أسمى وأنبل من أن يسأل لذة بطنه، مع تضييع الغاية التي خُلق لها.

وحاول الربيع إلانة قلب الرشيد بقوله إنّ الإمام كان قد أعطاك وعداً بأن لا يخرج عليك وهو لا ولن ينقض العهد، فلما هذا التضييق والسجن إذن!!؟

فلم يكن عند هارون من حجة، إلا قوله «مقامه عندي أحب إليّ!!!». ولما طال مقام الإمام (ع) في السجن بعث بتهديد إلى ـ وزير هارون ـ يحيى بن خالد البرمكي ليخرج بنفسه عن طريق المعجزة.

فقد روى الشيخ الطوسي في غيبته عن داود بن زربي: قال: بعث إليّ العبد الصالح (ع) وهو في الحبس فقال: انت هذا الرجل يعني يحيى بن خالد، فقل له: يقول لك أبو فلان: ما حملك علي ما صنعت؟ أخرجتني من بلادي وفرّقت بيني وبين عيالي؟ فأتيته فأخبرته فقال: زينبه طالق، واغلظ عليه أغلظ الإيمان، لودنت أنه غرم الساعة ألفي ألف، وأنت خرجت، فرجعت إليه فأبلغته فقال: ارجع إليه فقل له: والله

(١) الأنوار البهية ص١٦٥.