فمع هذه المطالبة من علي بحق الزهراء أو حثّها على ذلك وإلقاء الحجج نجده ﷺ عندما يستولي على الحكم، سار مسيرة الشيخين فيها وذلك لعدة أمور:
أولاً : إنّ أمير المؤمنين ﷺ كان يصرح بأنه يرى فدك لأهل البيت ﷺ وهذا واضح في رسالته لعثمان بن حنيف، ولكنه في الظاهر لم يضمها إلى نفسه، ولكن هذا لا يعني إنه سار بها على ما سار الشيخان، فما المال عنده وخزينة الدولة إلا كان في يده، فما ندري أنه كان يوزعها على مستحقيها، وهم أهله وأولاده، ويحتمل أنه كان يبقي غلّاتها في مصالح المسلمين برضى منه وأولاده.
ثانياً : يمكن أنّ علياً ﷺ قد سكت عن ذلك للتقية، فإنه ﷺ بمجرد الحصول على الخلافة لم ينقص على المنبر فاطمة، لكانت سيئت بحب الدنيا، وأنّ غايته هو الوصول إلى سدة الحكم، للانقضاض على ممتلكات الدولة وخيراتها، أضافة إلى أنّ الناس في تلك ربع قرن من الزمن من كان قبله كانت قد اعتادت على نسق خاص من التعامل معهم واعتادال الأموال عليهم... فإذا كان ﷺ سيميز فدك له ـ وقد قلنا إنها قرية عظيمة تدفق على الدولة أموالاً باهظة ـ فموارد الدولة ستقل عما كانت عليه، وسيؤثر ذلك نوعاً على الرعية، فستفترى بعدها الاحتجاجات(١).
ثالثاً : إنّ المطالبة بفدك والموالي والإرث لم يكن غاية في نفسه، بل وسيلة للوصول إلى الحق المشروع، لتصل المظلومية إلى كل لسان، وليبهم بها كل عاقل، وذلك بعدما وصل ﷺ إلى الغاية المطلوبة، وهي الارتقاء على سدة الحكم لإقامة الاعوجاج، فإنه ﷺ لم يعد بحاجة إلى تلك الأموال، فما دام المهاجرون والأنصار قد التفوا حوله، والمؤلفة قلوبهم، فهذا ما خصوصاً له وعاداتهم الدولة تبدد الاحتياجات للحرب وغيره، ألم يكن سيصرفها؟ فإنه ﷺ لو كانت فدك له، فعلى ما احتياجاته للحرب وغيره، ألم يكن سيصرفها في المصلحة العامة؟
(١) الزهراء خير نساء العالمين ص ٨٢.
نقلاً عن فتوح البلاغة لابن أبي الحديد.
٢٥١
‹