فاطمه الزهرا فی محنه التاریخ
صفحة ٢٤٧ من ٣٣٤

النفاق(١)، وانحلّت عقدة الكفر والشقاق، وفهتم بكلمة الاخلاص، في نفر من البيض الخماص(٢)، «وكنتم على شفا حفرة من النار» مذقة الشارب(٣)، ونهزة الطامع، وقبسة(٤) العجلان، وموطن الأقدام، تشربون الطرق(٥)، وتقتاتون القد(٦)، أذلة خاسئين تخافون أن يتخطفهم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بأبي محمد ﷺ بعد اللتيا والتي(٧)، وبعد أن مني ببهم(٨) الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب «كلما أقدوا ناراً للحرب أطفأها الله» أو نجم قرون للشياطين أو فغرت(٩) فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهواتها(١٠)، فلا ينكفىء حتى يطأ صماخها بأخمصه(١١)، ويخمد لهبها بسيفه، مكدوداً في ذات الله، مجتهداً في أمر الله قريباً من رسول الله ﷺ سيداً في أولياء الله مشمراً ناصحاً، مجداً كادحاً، وأنتم في بلهنية من العيش وادعون فاكهون آمنون، تتربصون بنا الدوائر، وتتوكفون الأخبار، وتنكصون عند النزال، وتفرون من القتال.

فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسكة النفاق،

(١) الوشيظ: التابع وتأتي بمعنى السفلة من الناس.

(٢) البيض الخماص: بيض الوجوه، خماص البطون، جياع البطون، والمراد بهم أهل البيت ﷺ أو الصفوة من الصحابة.

(٣) العطشان يتذوقكم ويشربكم دون سؤال، وهذا كناية عن أنَّ حصونكم غير منيعة، وقدرتكم غير قديرة، ...

(٤) القبسة: الشعلة ـ العجلان المسرع فيأخذ المسرع النار منكم ويذهب وكأن شيئاً لم يحصل، وهذا كناية عن أنه لا يمكنكم الدفاع حتى عن أنفسكم.

(٥) الطرق: ماء السماء الذي تبول به الإبل وغيره.

(٦) القد: اللحم والجلد المجفف والورق: أي أوراق الأشجار وهذا كناية عن الفقر والجدب الذي كان يحيط بهم.

(٧) بعد اللتيا والتي: أي بعد التعب والمشقة و...

(٨) البهم: الشجعان أي الذين ابتلي بهم ﷺ من الكفار والمشركين كانوا أقوياء وفرساناً.

(٩) فغرت فاغرة المشركين: فتحت، الفاغرة من المشركين الطائفة منهم.

(١٠) اللهوة: أقصى الفم وهو موضع نطق القاف والكاف، والمقصود به أنه كان يقذف به ﷺ في فم الموت.

(١١) صماخ: الرأس. أخمصه: باطن قدمه.