فاطمه الزهرا فی محنه التاریخ
صفحة ٢٤٨ من ٣٣٤

وسمل جلباب الدين(١)، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين، وهدر فنيق(٢) المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزة(٣)، هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة به ملاحظين، ثم استهضفكم فوجدكم خفافاً، وأحمشكم(٤) فألفاكم غضباً، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم. هذا والعهد قريب، والكلم رحيب(٥)، والجرح لمّا يندمل، والرسول لمّا يقبر، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة «ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين» فهيهات منكم، وكيف بكم وأنّى تؤفكون، وهذا كتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة، وأوامره واضحة، قد خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون «ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» ثم لم تلبثوا إلا ريثما تسكن نفرتها، ويسلس قيادها، ثم أخذتم تورون وقدتها، وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهماد سنن النبي الصفي، تسرون حسواً في ارتغاء(٦)، وتمشون لأهله وولده في الخمر(٧) والضراء، ونصبر منكم على مثل حز المدى(٨)، ووخز السنان في الحشى، وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي «أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يؤمنون» أفلا تعلمون؟! بلى قد تجلّى لكم كالشمس الضاحية، أني ابنته إيهاً وفي

(١) سمل: بلي وخَلَق.

(٢) فنيق: الفحل المكرّم من الإبل.

(٣) مغرزة: مخبئة.

(٤) أحمش: أغضب أي أغضبكم فوجدكم تغضبون لغضبه.

(٥) الكلم: الجرح: الرحيب: الوسيع.

(٦) هذا مثل يضرب لمن يظهر أنه يريد شيئاً ويفعل غيره، وتسرون أي الأسرار بشرب اللبن يحسوه أي يشربه والارتغاء، الرغوة على وجه اللبن فهو يظهر أنه يريد شرب الرغوة فقط ولكنه يحسو منه سراً.

(٧) الخَمَر: ما يسترك من الشجر وغبره.

(٨) المدى السكين القاطع.