أسس الديانتين ٢٣٧
الدهر إلى آخره(١) علم أنّ أكثرهم سواء كان منهم أهل الملل السماوية، أم غيرهم كانوا يعتقدون برجوع النفوس إلى عالم آخر، وما ذاك إلاّ للغريزة والفطرة التي أودعها الله في النفوس، وحب التفكر الذي رسّخه تعالى في العقول، الذي يقتضي لو خلي الإنسان و نفسه، من إمكانية الإلهام؛ للتعلق في العالم الميتافيزيقي من خلال بصيرته الثاقبة، التي تحتم عليه - ولو بقدر تفكيره المحدود البدائي - أن يستشعر بوجود طاقة سرمدية تمده بالنعم والعطف والحنان، ويلجأ إليها الولهان، هذا مع غض النظر عن إرسال الأنبياء الذين لم يخل منهم الزمان.
ومن هنا تبينت ثمرة الاعتقاد بالمعاد - خلافاً للدهريين - الذي كان مصب عناية الأنبياء و المرسلين، لأنه يروي العطاشى والمساكين، الذين كدحوا تحت نير الظلم والظالمين، وكان إنذاراً للشعوب بأنه لن يستقيم نظام الحياة إلى الممات، ما لم يعتقد الإنسان بالرجوع إلى الديّان، لئلا ينغمس في الفجور والطغيان. وما يدعيه البعض بأن الضمير الحي والإنسانية والعاطفة التي صبغ بها الإنسان قادرة على كبح جماح نفسه، ودافعة له نحو
(١) من أراد المطولات فليرجع إلى الملل والنحل: نفعات القرآن: ودائرة معارف القرن العشرين: تاريخ التمدن و غيره ...
‹