فاطمه الزهرا فی محنه التاریخ
صفحة ١٦٢ من ٣٣٤

قال: فإن أبيتم المباهلة فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم فأبوا.

قال: فإني أناجزكم، فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا، ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حله: ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد، فصالحهم على ذلك، وقال: والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلَّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله، حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا»(١).

ونلاحظ من خلال هذه الآية الكريمة وتطبيقها أمور:

أولاً: إنَّ الزهراء بشكل خاص ـ والمرأة بشكل عام ـ لها حضور في ميدان الدعوة واثبات الحق، وإدحاض الباطل.

ثانياً: إنَّ الرسول صلى الله عليه وآله كان بإمكانه أن يترك الزهراء عليها السلام في البيت، ولكرامتها عند الله تعالى فيمكنه أن يرسل لها، إذا استقر رأي النصارى على المباهلة، أن تدعو وهي في بيتها وهم يدعون تحت السماء أمام الملأ. في نفس اللحظات التي يباهلون بها. ولكنه صلى الله عليه وآله أراد أن يظهر للعيان فضل فاطمة وكرامتها عند الله للمسلمين وغيرهم، وأنَّ لاجتماعهم ـ أهل الكساء ـ جميعهم خاصية عند الله تعالى لا يمكن أن تتبلور إلاَّ بوجودهم معاً، وإلى أن للمرأة دور لا يقل عن دور الرجال في هذا المجال.

ثالثاً: إنَّ فاطمة عليها السلام قد أثبتت بشرية عيسى عليه السلام وأنَّ المباهلة كانت من أجل ذلك، ولاعتناقهم الإسلام.

رابعاً: أراد صلى الله عليه وآله أن يثبت ركيزة الدعاء، وأنه السلاح الوحيد عند انقطاع السبل الأخرى، فلذا ورد الدعاء سلاح المؤمن، ولا بُدَّ أن يكون الداعون مخلصون تائبون ليتأكد استجابة الدعاء، وإلا فالدعاء متأرجح بين القبول وعدمه.

(١) نفس المصدر ص ٢٨١.

١٧١