فاطمه الزهرا فی محنه التاریخ
صفحة ٢٥٠ من ٣٣٤

مساكهم ومصيبهكم، هاتفاً وصراخاً، وتلاوة وألحاناً، ولقبله ما حلّت بأنبياء الله ورسله، حكم فصل وقضاء حتم «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم من ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين» إيهاً يا بني قيلة(١) أأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى مني ومسمع ومبتدى ومجمع، تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعدة، والآداة والقوة، وعندكم السلاح والجنة، توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت، قاتلتم العرب، وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البهم(٢)، فلا نبرح وتبرحون، نأمركم فتأمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام، ودرّ حلب الإيمان، وخمصت نعرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوثق نظام الدين، فأنّى حرتم بعد البيان، وأسررتم بعد الإعلان، ونكصتم بعد الإقدام، وأشركتم بعد الإيمان، «بؤساً لقوم نكثوا إيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرّة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين» إلا أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض، وركنتم إلى الدعة، ونجوتم من الضيق إلى السعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم(٣) الذي تسوّغتم، «فإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد» ألا وقد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس، وبثة الصدر، ونفثة الغيظ، وتقدمة الحجة، فدونكموها فاستقوها دبرة الظهر، نقبة الخف، باقية العار، موسومة بغضب الله، وشنار الأبد موصولة بنار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، فبعين الله ما تفعلون «وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون» وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد، «فاعملوا إنّا عاملون، وانتظروا إنّا منتظرون»...

فأجابها أبو بكر فقال: يا ابنة رسول الله لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً

(١) بني قيلة هم الأنصار من الأوس والخزرج وقيلة اسم أم لهم قديمة.

(٢) البهم: جمع بهمة وهو الشجاع.

(٣) دسعتم: تقيأتم.