فاطمه الزهرا فی محنه التاریخ
صفحة ٢٥٤ من ٣٣٤

ليعضدنها وينصرنها إن لم يمكنهن بالكلام، فبكثرة الحشود وهذه الظاهرة تعطي رهبة شعبية وقوة في الموقف.

إضافة إلى اختيارها المسجد مكاناً للخطبة، مع وجود الحشود فيحتمل أنَّ ذاك اليوم كان يوم جمعة، إذ من المتفق عليه أنَّ وفاة رسول الله ﷺ كان يوم الاثنين، وروي أنَّ هذه الخطبة كانت بعد وفاته ﷺ بعشرة أيام.

فاختيار الزمان والمكان مما له وقع في القلوب.

إضافة إلى أنها خرجت ﷺ على الظاهر إلى الطريق العام ومنه إلى المسجد، لترى هذه الحشود تلك الوفود النسائية داخلة المسجد، فتقوم وتتهيأ لهذا الأمر، مع أنَّ بيت فاطمة ﷺ كان ملاصقاً للمسجد فيمكنها دخوله من دارها، فيكون أسهل عليها، ولكنها أرادت أن تلفت نظر الرأي العام، والدليل على اختيارها ذلك، أنَّ الراوي قد لفت نظره مشيها ﷺ تطأ ذيولها.. لا تخرم مشيتها مشية رسول الله.. فيحتمل أنها ﷺ أجادت تمثيل حركات رسول الله ومشيته، ليكون خيال رسول الله ﷺ نصب أعينهم، أو أنها ﷺ كانت قد ورثته خَلقاً وخُلقاً حتى في مشيه فأرادت ﷺ تذكيرهم برسول الله ﷺ.

٢ ـ الارجاع إلى أصول الدين: من بيان عظمة الله وقدرته وخلقه، والتفكير في مخلوقاته و... وكأنها تشير بهذا إلى خوف الدين من الانطماس، إذ أنَّ رسول الله ﷺ بدأ بتبليغ الدين بكلمة قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ففكروا في الله ولا تنقبلوا على أعقابكم كفاراً، فعليها السلام كأنها بدأت بهم من نقطة الصفر، كما كانوا في الجاهلية كفاراً فآمنوا، فإنها تعطيهم الأدلة على توحيده عز وجل ثم إرجاعهم إلى النبوة، وهذا النبي (هو أبي محمداً) وكم جاهد لهدايتكم، بعد أنَّ رصَّ صفوفكم ووحدها، ثم إن النبي ﷺ ملَّ من هذه الدار التي تعب بها وجاهد لهدايتكم حتى أصبحتم بنعمته اخواناً ـ وكأنها تشير إلى أنكم أتعبتموه ولم ترأفوا بحاله، فكيف بحال ابنته، فاختار الدار الآخرة بعد ذلك، وحُفَّ بالملائكة الأبرار. لا بصحابة أكثرهم أشرار...