فاطمه الزهرا فی محنه التاریخ
صفحة ٢٦٦ من ٣٣٤

المقاطعة:

إنَّ للنهي عن المنكر أساليب مختلفة، فقد انتهجت الزهراء ﷺ ما أمكنها من سبل في ذلك، فنجحت تلك المساعي معنوياً لا مادياً، وأخيراً قررت مقاطعتها لأبي بكر وعمر وحلفت أن لا تكلمهما أبداً، ليتساءل على مر التاريخ ما سبب ذلك، فلو لم يكن في الأمر (لِمَ) لم تكن ﷺ قد غضبت منهما، ولم تكلمهما حتى ماتت...

فقد ذكر البخاري عن عائشة إن فاطمة ﷺ ابنة رسول الله ﷺ سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «انا لا نورّث، ما تركنا صدقة» فغضبت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرة حتى توفيت(١)، وذكر ابن كثير: لم تزل فاطمة تبغض أبا بكر مدة حياتها(٢).

وبهذا نعلم أنها ﷺ كانت غاضبة عليهما وقد قال رسول الله ﷺ بإجماع الفريقين يا فاطمة إن الله يرضى لرضاك ويغضب لغضبك...

وما ذلك إلاَّ لأنها لا تنطق إلاَّ بأمر الله، ولا تسكت إلا بأمر الله، وقد ذكر العامَّة أنهما تابا من ذلك واسترضياها فرضيت عنهما، ولكن نقول لابن سعد في طبقاته وغيره: «الاعتذار معلوم والرضا مرفوض»(٣)، أو قل الاغتضاب معلوم والرضا عنهما مجهول بل معلوم العدم كما هو واضح من التاريخ من خفاء قبرها ودفنها بالليل وعدم اذنها لهما بالصلاة عليها...

وقد قال ابن أبي الحديد في شرح النهج «والصحيح عندي أنها ماتت وهي

(١) الغدير ج ٧ ص ٢٢٦ ـ نقلاً عن صحيح مسلم ج ٢ ـ ٧ ـ مسند أحمد ج ١ ـ ص ٦ ـ ٩ ـ تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٠٢ ـ تاريخ ابن كثير ج ٥ ص ٢٨٥. وانظر غاية المرام في حجة الخصام ص ٥٥٥ ابن أبي الحديد ج ٦ ـ ص ٥٠.

(٢) نفس المصدر.

(٣) طبقات ابن سعد ج ٨ ص ٢٧.