فتعساً لقوم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون. أفمن يهدي للحق أحق أن يتبع، أمَّن لا يهدي إلاَّ أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون!!.
لقحت فنظرة ريث ما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً، وذعافاً ممضّاً(١)، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غبَّ ما أسكن الأولون، ثم طيبوا بعد ذلك عن أنفسكم لفتنها، ثم اطمئنوا للفتنة جأشاً، وأبشروا بسيف صارم، وهرج دائم شامل، واستبداد من الظالمين، فزرع فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً، فيا حسرة لهم. وقد عميت عليهم الأنباء، أنلزمكموها وانتم لها كارهون» ولقد وردت هذه الرواية أيضاً بألفاظ مشابهة، لم نذكرها فمن أحب الاطلاع فليرجع إلى البحار وغيره...
فاطمة تغيّر أسلوب تبليغها:
رغم الآلام التي كانت تعصر قلب الزهراء ﷺ، فإنَّ همَّها الوحيد كان في كيفية إلقاء الحجة على الخصم، وتبيين حق خلافة علي ﷺ فلم تبالِ باحزانها الشخصية، بل لم تشر إليها مطلقاً، رغم ما كانت تكبت وما يعتصر بنفسها، من فقد أبنائها وزوجها وتركه بنفسه يداهم الأحداث.
فلا بد أن تجلي عنه بعض الهموم، وتمهّد له طريق حججه وبيناته، لأنها هي أولاً وآخراً، هي التي خصّها وحفها رسول الله ﷺ بعنايته، هي التي لا تمتد إليها يد الحسد غالباً، إلا من بعض النساء المعروفات عند الجميع، بخلاف علي ﷺ المهتوك الحق، المهدور القيمة عند من تلاعب بهم الشيطان... فإذن وجدت الفرصة سانحة للتحدث في هذه الخطبة كلها عن حق علي في الخلافة، ولم ترد فيها شيئاً عن صحتها أو حقها من فدك وغيره، أو ظلمها أو...
ولقد علمت فاطمة ﷺ أن النساء سريعة التأثر بالعاطفة، ولها قوة التأثير في الرجال، ولها تدخل في السياسة، ولو بتغلغلها في قلوب الرجال فتكون هي
(١) الذعاف السم ـ ممضاً موجعاً.
‹