الامام الحسن فی محنه التاریخ
صفحة ١٣٨ من ٣٨٢

نعم عرفت الحقيقة التي أريد لها الخفاء، ولكن علي(ع) لم يشأ تولي الخلافة من قلوب ملؤها الجفاء، وإلا لنعت (ع) بحب السيطرة والشموخ .

وقد أنكر معاوية وشنّع على علي(ع) فعلته، وعدّ هذا إهانة لعزته، فقال في كتابه: وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك على حمار، ويداك في يدي ابنيك حسن وحسين يوم بويع أبو بكر، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك، ومشيت إليهم بامرأتك، وأدليت إليهم بابنيك١ .

وما ذكر من مواقف ما هو إلا غيض من فيض، وتسنيم من نعيم، ليبقى الحسنان شوكة في أعين الظالمين، حتى تبلغ النفس حشرجة الصدر، فيصلوا إلى الجحيم، ويبقى الحسنان قدوة ونموذجاً للمؤمنين، يلقناهم درساً مدى السنين، بأن لا يرضخوا للظلم شيباً وشباناً، لينالوا رحمة وغفراناً .

الحسنان يذكران برسول الله (ص) من خلال الآذان

من أنجح الوسائل والخطط لايصال الهدف والغاية إلى الأمة، هو الإعلام، ومن هنا استغل الحسنان وجود بلال برهة في المدينة للآذان .

إن نفسية الحسنين القدسية، أبت الإعوجاج والإنحراف واللين، بل أصرت على الخط العملي لقوله تعالى" إهدنا الصراط المستقيم "، من القلب المكين، لتكون سبباً إلى اخضرار شجرة الدين، لئلا ينخر السوس فيها فيكون ثمارها رجال من الضالين .

فلذا لما رأى بلال في منامه رسول الله (ص) قائلاً له: ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورنا؟ انتبه حزيناً، فركب إلى المدينة، فأتى قبر النبي(ص) وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه، فأقبل الحسن والحسين (ع)، فجعل يقبلهما ويضمهما، فقالا له: نشتهي أن تؤذن في السحر .

فاستجاب بلال لطلبهما، فعلا سطح المسجد، فلما قال: الله أكبر الله

(١) فاطمة الزهراء المرأة النموذجية / ص ١٢٠ - ابن أبي الحديد ج٢ / ص ٤٧ - علي من المهد إلى اللحد ص ٥٨١ .

١٤٥