الامام الحسن فی محنه التاریخ
صفحة ٢٢١ من ٣٨٢

خشي عليه السلام من الغدرة كما فعل بأبيه، فقال لهم(ع): تبايعون لي على السمع والطاعة، وتحاربون من حاربت، وتسالمون من سالمت ؟

فلما سمعوا ذلك ارتابوا وأمسكوا أيديهم، وقبض هو يده، فأتوا الحسين فقالوا: ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك، وعلى حرب المحلين الضالين أهل الشام، فقال الحسين: معاذ الله أن أبايعكم ما كان الحسن حياً .

فانصرفوا إلى الحسن فلم يجدوا بداً من بيعته على ما شرط عليهم (١) .

وروي أن أول من بايعه قيس بن سعد الأنصاري، وقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه وقتال المحلين، فقال الحسن(ع): على كتاب الله وسنة رسوله، فإفهما يأتيان على كل شرط ، فبايعه الناس (٢) .

فبايعه أربعون ألفاً وقيل أنه ـــ كان أحب إليهم من أبيه(ع) ـــ فيمكن ذلك لأن علياً(ع) حسب زعمهم قد وتر العرب، ولهم عليه ثارات، أرادوا أن يتروها من علي(ع) عندما تسنح لهم الفرص بذلك، أما الحسن(ع) فقد ترعرع بين أظهرهم ومحبة رسول الله (ص) ورعايته له ولأخيه الخاصة أكسبتهم محبته، ومع ذلك فإنه(ع) شعر من بداية البيعة لم تغص في قلوبهم، بل طفت على ألسنتهم فحسب، وذلك من جرّاء موقف بعض الأصحاب بالتشكيك في بيعته عندما عرض عليهم شروطه، بل إنه(ع) كان يهيأ الأصحاب لمعاودة قتال معاوية لأنه(ع) لم يقبل بذلك التحكيم مع رفض أصحابه، فحالت المنية دون تحقيق ذلك .

إذ سبر أغوار قلوبهم، وطيف بأحلامهم، من نتف كلامهم، فوجدهم أميل للخلود إلى الراحة والدعة، وإلى المال والسعة، فقد ملّوا الابتلاء في طريق ذات الشوكة، وإن علموا أنه في فهاية الصراط تنتهي الوعكة، بجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها .

نعم هكذا كان أكثر الأصحاب، وإن كانت ثلة قليلة أخلصت دون

(١) الإمامة والسياسة ج/١ / ص ١٨٤ - الإمام الحسن في تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ص ١٧٤ .

(٢) الكامل في التاريخ ج/٣ / ص ٤٤٣ - الطبري ج/٥ / ص ١٥٨ .