الامام الحسن فی محنه التاریخ
صفحة ٢٣٢ من ٣٨٢

الناس غير ضنين، وأنا أحب لك القول السديد، والذكر الجميل، إن هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها، لم تجهل فضلكم ولا سابقتكم ولا قرابتكم من نبيكم ولا مكانكم من الإسلام، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكافها من نبيها، ورأى صلحاء الناس أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاماً، وأعلمها بالله، وأقواها على أمر الله فاختاروا أبا بكر، فأوقع ذلك في صدورنا لهم التهمة، ولو رأى فيكم المسلمون من يغني غناءه ما عدلوا إلى غيره، وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنت عليها مع أبي بكر بعد النبي (ص) ولو علمت أنك أضبط للرعية وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو،( وفي بعض الروايات بعد قوله وأكيد للعدو وأقوى على جميع الأمور بمن لبايعتك: لأني أراك لكل خير أهلاً) لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ولكن قد علمت أني أطول منك ولاية وأقدم تجربة، وأكثر سياسة، وأكبر سناً، فادخل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق، وخراج أي كور العراق شئت يجبيها أمينك، وعمالها إليك في كل سنة، ولك أن لا يستول عليك بالإساءة، ولا تقضى دونك الأمور، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله .

قال المدائني: إن معاوية كتب في آخر كتابه إلى الحسن(ع) فإن أباك سعى على عثمان حتى قتل مظلوماً، وطالبَ الله بدمه، ومن يطلبه الله فلن يفوته، ثم ابتزّ الأمة أمرها، وفرّق جماعتها فخالفه نظراؤه من أهل السابقة والجهاد، والقدم في الإسلام، وادّعى أفهم نكثوا بيعته فقاتلهم، فسفكت الدماء، واستحلت الحرم، ثم أقبل إلينا لا يدعي علينا بيعة، ولكنه يريد أن يملكنا اعتزازاً فحاربناه وحاربنا، ثم صارت الحرب، إلى أن اختار رجلاً واخترنا رجلاً، ليحكما بما تصلح عليه الأمة، وتعود به الجماعة والألفة، وأخذنا بذلك عليهما ميثاقاً، وعليه وعلينا مثله على الرضا بما حكما، فأمضى الحكمان عليه الحكم بما علمت، وخلعاه، فوالله ما رضي بالحكم ولا صبر

(١) البحار ج/٤٤ / ص ٢٧ .