وهذا ما يؤكد أنه لم يكشف لهنّ شعور ، أو خلع ثياب وما شابه .
وكيف يرتجى الإحسان من الشجرة الخبيثة ، من جدته هند التي نهشت بفيها كبد الحمزة ، ثم قالت (ع) : نعم كانت قلوبكم قد قرحت ، والدمّلة كادت تقتلكم بخبثها ، فاسترحتم بنكئها وقشرها فندیت ، واستأصلتم جروحكم التي كلمت ، بإراقتك دماء عترة آل محمد (ص) .
ثم عرجت بقولها إلى من والاه بقولها : وسيعلم من سوّى لك ومكّنك من رقاب المسلمين ، فهي (ع) تقرع بخطابها جميع الحشود التي استكانت له ، إذ قد يرّيء الموجودون أنفسهم ، لكنها أكدّت لهم : بأنه لولاكم لما وصل إلى ما وصل إليه .
وقد يفتخر من تسنح له فرصة محادثة السلطان ، لكنّها (ع) احتقرته بقولها : إنّ من الدواهي والمصائب أن تجري عليّ المقادير ، إلى أن أتكلم مع مثلك ، بل استعظم تقريعك ، فكل ما قلته قليل في حقك .
فإنها يوبّخ من يُرجى إصلاحه ، ويؤمل فضله « لتنذر من كان حياً » ، أما من كان ميتاً فلا يرجى خيره ، فالتوبيخ في حقه ، قليل في شأنه .
ثم ختمت قولها (ع) : بمحمد الله تعالى الذي وفقنا للشهادة ، فهل تحسب يا يزيد أنك إذا نغصّت علينا الحياة ، فقد اضطهدتنا !! ، لكن نعمة الله وهي الشهادة ، جرت على يدي شر خلق الله في بلاده ، وهي يداك يا يزيد !! .
فما كان جوابه إلا أن قال :
يا صيحة تحمد من صوائح ما أهون الموت على النوائح
فكأنّه يقول لها : نعم يحق لك البكاء والصياح ، وحتى لو متّ جزعاً فلا لوم عليك ، وخشي الرد عليها .
١٥٩
‹