السیدة زینب فی محنه التاریخ
صفحة ٨٦ من ٢١٥

لــلرحمن ، لتجـلي الحق الذي غيّره الزمان ، مع علمها بمجمل الحوادث التي تترقبها ، لكنها مبتهجة بأدائها الرسالي ، وفي خدمة إمام زمانها .

قائلة: يا بن عباس:تشير على شيخنا وسيدنا أن يخلّفنا هاهنا ويمضي وحده، لا والله بل نحيا معه ، ونموت معه ، وهل أبقى الزمان لنا غيره ؟

فـبكى ابن عباس بكاءً شديداً ، وجعل يقول : يعز والله عليّ فراقك يا بن العم (١)

ومشـــت القافلة في الفيافي والقفار ، والصحاري والأمصار ، وبينما هم في الطريق نزلوا في التنعيم(*) وإذ بولدي عبد الله بن جعفر(٢) ـــ أحدهما ابن السيدة زيـــنب (ع) والـثاني قبل إنه ولدها أيضاً ـــ يلتحقان بالقافلة ، نظرت إليهما السـيدة زينب (ع) فسّرت سروراً عظيماً ، باللحوق بخالهما ، لينصر الله بهما دينه الذي أودعه في أيدي أوليائه ، وكانا حقاً من خدام الأولياء .

وكان أبوهما عبد الله قد أوصاهما أن يكونا في خدمة خالهما وأمهما السيدة زينب (ع) وأن لا يقصرا في الجهاد ، بل يرخصا أنفسهما في سبيل إعلاء كلمة

الله تعـــالى . وأرسل عبد الله معهما كتاباً إلى الحسين (عليه السلام) يقول فيه : "أما بعد، فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي هذا ، فإني مشفق عليك من الوجه الذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك ، واستيصال أهل بيتك وإن هلكت اليوم طفئ نور الأرض ، فإنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين ، ولاتعجل في السير ، فإني في أثر كتابي "(٣)

فأخذ عبد الله للإمام (عليه السلام) الأمان من والي مكة ، وما أسرع ما أن وصل إليـــه ، فعانقه وألحّ عليه بالرجوع فلم يقبل الإمام لأمر أمره به (ص) في الرؤيا

(١) الخصائص الزينبية ص ١٧٨ ـ أحوالات حضرت زينب ص ١٩٣ .

(*) التنعيم : منزل يقع شمال مكة وهو الآن جزء منها بسبب اتساعها ، وهو أقرب المواقيت لمكة . (المناسك المصوة للعمرة المفردة ص ٣٢ ) . ويبعد حوالي ٥ كلم عن بيت الله الحرام .

(٢) الخصائص الزينبية ص ١٧٦ ـ أحوالات حضرت زينب ص ١٩٤ ـ بحار الأنوار ج ٤٤ ص ٣٦٦.

(٣) المصادر السابقة .

٩٤