امام جعفر الصادق فی محنه التاریخ
صفحة ١١ من ٤٢٧

ووقف عندئذٍ في الساحة مترنماً ومتوغلاً ومصفقاً، لا من رقيب على تصرفاتهم ولا عتيد، فالساحة خالية، وجنودهم عاتية، تنفذ أوامرهم بأقل من طرفة بصر.

ولكنهم غفلوا عن المياه التي كان الإمام يسقي بها قلوب شيعته ومحبيه، إذ وجد القلوب عطشىٰ، قد أظمأها الحكم الجائر، فأرواها بالورع والتقىٰ، وغرس بها وجوب القيام على الحاكم الظالم، وعدم الرضوخ والخنوع إلى الجور والظلم، لأنه بسكوت المظلوم يبرع الظالم.

فبانت ثمرة جهود الإمام عليه السلام في عهدي الإمامين الصادقين ـ الباقر والصادق ـ فإذا بجحافل العلماء كالسيل العارم، تتدفق على الإمامين عليهما السلام وخاصة الإمام الصادق عليه السلام، وإذ بالساحة التي كان يترنم بها الأمويون، خلت من المغنين والمزدلفين والمصفقين، فأفردهم الدهر وولوا مدبرين خاسئين، فنزلوا بعد عزٍ عن معاقلهم وأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا.

وهكذا أدّىٰ الإمام عليه السلام دوره، إذ كانت المرحلة التي يمر بها مرحلة تمهيدية لعصر زاخر بالعلم والعطاء.

فلذا لم يقتصر على العبادة فحسب، لأنها ليست غاية بحد نفسها فقط، بل لما يتلوها من مفاهيم عبقة بأريج الإسلام المنفتح الحي.

إضافة إلى أنّ لكل إمام دوره في ضمَّ حلقة من سلسلة متماسكة، ليصبح التشيع كعقدٍ متلألئٍ وضاء على صدور متبعيه، وإلاَّ لم تتحقق الغاية من وجود أئمة إثنىٰ عشر.

وبقيت الصحيفة السجادية (أدعية الإمام زين العابدين) مدرسة للأجيال، تمدهم بالعلم الزاهر، والعمل الباهر، ما بقي الدهر عامر.