امام جعفر الصادق فی محنه التاریخ
صفحة ١٣٣ من ٤٢٧

ولما اختار الرحمٰن الإمام الباقر عليه للقائه في سنة ١١٤ هـ كان للإمام الصادق عليه من العمر ٣١ سنة على الأشهر، فاستلم عليه زمام تلك الجامعة، فاحتذىٰ حذوه، وطوّر تلك الجامعة، بعد أن أعدّ الإمام الباقر عليه عدة من أصحابه، وكلة واعية يمكنها أن تستلم مجموعات تهيؤها لتكون نموذجاً حياً يحكي الإسلام بكل تفصيلاته.

وهكذا خطت خطىّ سريعة في التطور، إذ أنها سبقت الزمن قبل أن يسبقها، لأنها فرصة قصيرة المدى، سرعان ما ستزول ما أن ثبتت دعائم العباسيين، ورست أقدامهم على البلاط الملكي.

ففي هذا الدور الذي ألقي على كاهل الإمام عليه من الله عزّ وجلّ وهو تحمل مسؤولية تبليغ الرسالة، في وقت عصفت الأعاصير بالدولة الأموية فخوى بنيانها، القى علماء البلاط الملكي عباءة الكبرياء عن كاهلهم، إذ تقوّض عزمهم، بعد أن جرفهم السيل مع من جرف، فنزلوا عن معاقلهم يابئس ما نزلوا(١).

ولكنهم لم ييأسوا فانضووا سراً أو جهراً تحت منبر الإمام جعفر الصادق عليه ينهلون من علمه كغيرهم من العلماء، إذ أن النار التي استوقدوها بعز غيرهم ذهب الله بنورها وتركهم في ظلمات لا يبصرون إلاّ ما أبصرهم إياه أهل بيت الحكمة عليه.

(١) انظر: ترجمة سليمان بن موسىٰ الأشدق، فقد كان من الفقهاء عندهم، وقال عنه البخاري (عنده مناكير) وقال النسائي (ليس بالقوي) ميزان الاعتدال مجلد ٢٢٥/٢، وعبد الله بن ذكوان، فقد كان خلفه ثلاثمائة تابع، ثم لم يلبث أن بقي وحده، ولم يزل عاملاً لبني أميّة حتى مات. ميزان الاعتدال ج٢/٤١٩. وسليمان بن طرخان ميزان الاعتدال ج٢/٢١٢ كان مولى لبني أميّة، ومع ذلك أعرض عنه مالك ومسلم فلم يؤخذ بحديثه، وقال عنه علي بن عبد الله بن عباس «الا تتقي الله» ثم قال: إن هذا الخبيث يكذب على أبي ميزان الاعتدال ج٣/٩٤. وغيرهم الكثير الكثير مما لا يحصىٰ ذكره.

١٣٩