امام جعفر الصادق فی محنه التاریخ
صفحة ١٦٦ من ٤٢٧

اكتف الجميع وتقبل مناقشة مناقذة ومجاجة إلى متقنع على العلم أو طالب الحقيقة، ولمّا لمس نواع ذلك جمهور العلماء والعوام والمواد والسطاء، فنحوا قلوبهم إليه، وزحفوا إليه جماعات ووحداناً، فالتفت إليه الوفود من الأمصار والأصاع، تختف نحت منبره، أو تواجهه بأرائها دون تقلص أو تنخص.

ولقد نوع أي ذلك، وأشاد بالإمام حتى أعداء، فقال ابن أبي العوجاء للمفضل بن عمر: «إن كنت من أصحاب جعفر بن محمد فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادلنا، وقد سمع من كلامه أكثر مما سمعت، فما أفحش في خطابنا، ولا تمكن في جواباته، وإنه للحليم الرزين، العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا ويصغي إلينا، ويستقصي حجتنا، حتى إذا استفرغنا ما عندنا، وظننا أنا قطعنا أدحض حجتنا بكلام يسير، وأخفمنا قصير، يلزمنا به الحجة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه ردّاً، فإن كان من أصحاب فخاطبنا بمثل عطائه نمو»(١). فأن الحرية في البحث العلمي، وسيلة لتطرق الحقيقة، ولمعرفة مكامن وميطبات النفس، وهذا ما حث عليه الإسلام بقوله: «وجادلهم بالتي هي أحسن»(٢).

فالإنسان مما لا يجهل، فهؤلاء الزنادقة الذين تغلغلوا بين المسلمين، طاوين بين أنفسهم الحظ الدفين، على الرسالة المحمدية، حاملين تجمعاً برأي بين أصحابهم، يساونه على ذوي القلوب الضعيفة، وعلى السطاء، ليجلطوا غرة أفكار الشيطان في قلوبهم، وهم أعظمه تور أبه في أرضه،

(١) بحار الأنوار ج٧٠ ص٨٢.

(٢) النحل/١٢٥.

١٧٤