وكان عليه السلام لا يخلو من إحدى ثلاث خصال: إمّا صائماً، وإمّا قائماً، وإمّا ذاكراً، وكان من معظم العبّاد، وأكبر الزّهّاد الذين يخشون الله عزّ وجلّ، وكان كثير الحديث، طيب المجالسة، كثير الفوائد، فإذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله اخضرّ مرّةً واصفرّ أخرى، حتى ينكره من يعرفه، ولقد حججت معه سنةً، فلما استوت به راحلته عند الإحرام، كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد أن يخر عن راحلته، فقلت: قل يا ابن رسول الله ولا بدّ لك من أن تقول. فقال: يابن أبي عامر كيف أجسر أن أقول لبيك اللهم لبيك، وأخشى أن يقول لي ربّي لا لبيك ولا سعديك(١).
فالإمام عليه السلام وصل إلى هذه الدرجة بالتفكر بالعبادة، والكلمات التي يتلوها، وكأنه يناجي ملكاً، وربّه مطرقاً إلى الأرض حياءً وهيبةً، مخافة سطوة الملك.
ولكن الإمام المعصوم محفوظ، مع علمه بمعاذة الله ورأفته بعباده ورحمته، لا يحشى الله من عبده، فإنه عالم أنه لم يقل المحسن إلّا بأبواب المحسن إليه بنحوٍ خوفٍ من عقابه، أو رجاء لثوابه، وإنما عبّاد الله من خوفه فإن منهج الإحسان لا الإحسان﴾ وكأنه عليه السلام مطبوع على طبع عبده.
٢ ـ قال منصور الصيقل: قال علي: رأيت أبا عبد الله ساجداً في مسجد النبي صلى الله عليه وآله، فأطال السجود حتى أطال، ثم قلت: قد طال سجوده ساجداً، فجلست حتى استبطأت، فقمت إليه فجلست عند رأسه، فقلت: جعلت فداك أستغفر ربّي وأتوب إليه، ثلاثة وستين
(١) البحار/٤٧، ١٩.
(٢) الرحمن/٦٠.
٣٣٥
‹