الخمس
صفحة ٣١٣ من ٤٠١

﴾(١) ، وهذا تشريف لنا وتفضيل ونعمة بأن علّمهم ليعلّمونا ، وولّاهم علينا ليحكموا بيننا بالعدل .

وستعرف بعد قليل أنّ على الحاكم الشرعي أن يعلم ، حين يحكم ، أنّه إنّما يحكم عن الله ، وليس له من الأمر شيء .

ثم إنّا نعلم علمًا ضروريًّا بأنّ النبيّ ﷺ المبعوث بالنبوة الختمية أكمل النبوات وأتمّ الأديان ، بعد عدم إهماله ما يحتاج إليه البشر حتّى أداء النوم والطعام ، وحتّى أرش الخدش ، لا يكاد أن يهمل هذا الأمر المهم الذي هو من أهم ما يحتاج إليه الأمّة في كل زمان ومكان ، فلو أهمل ﷺ والعبادة هذا الأمر المهم . أي أمر السياسة والقضاء . ولم يعيّن تكليف الأمّة في زمان الغيبة ، أو لم يأمر ﷺ الإمام بأن يعيّن تكليف الأمّة في زمان الغيبة ، مع إخباره بالغيبة وطولها . لكان تشريعه نقصًا قبيحًا فاحشًا ، ولكان مخالفًا لحكمة الواجب من حجّة الوداع وإتمام الدين وإكمام الدين . بل لكان مخالفًا للعقل ويجب تنزيه الشريعة عن هذا النقص المدّعى . فالضرورة قاضية بأنّ الأمّة . بعد غيبة الإمام ﷺ في تلك الأزمنة المتطاولة . لم تترك سدى في أمر حفظ الدين وبيان أحكامه وحماية بيضة الإسلام والمسلمين وعصمن ثغور المسلمين وجهاد أعداء الدين وحماية الأموال وتوزيعها والإهتمام بسياسة الدولة الإسلامية الداخلية والخارجية ، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والإهتمام بالقضاء وإقامة حدود الله اللذين هما من أهم ما يحتاجون إليه ، خصوصًا مع تحريم الرجوع إلى سلاطين الجور وقضاتهم ، وتسميته رجوعًا إلى الطاغوت ، وأنّ المأخوذ بحكمهم سحت ولو كان الحق ثابتًا لصاحبه .

فإذا علم عدم إهمال جعل منصب الحكومة والقضاء بين الناس ، فإنّ العقل السليم يحكم بضرورة أن يكون الحاكم للدولة خليفة الله في علمه وأخلاقه والذي هو أعلم الخلق وأكملهم وأنبههم ، والأصلح لإمامتهم ولحفظ نظامهم ، وأين مصاديقه وأشرفها المعصوم الذي لا يخطئ ... .

إلّا أنّا هذا الحكم العقلي لا يمنعنا كثيرًا لأنّا في مواضع الشك في ولاية الفقيه ووجوب وإطاعتنا له لا يمكن الأخذ بهذا الحكم العقلي ، وذلك لأنّ العقل لا يحكم مع فرض وجود شك في شمول دائرة ولاية الفقيه للمسألة الواقعة ، وإنّما يحكم بالقدر المتيقن الذي يكون واضحًا عنده .

هذا ، ولكن يمكن الإستفادة من قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ

(١) ص : ٢٦ .