يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يُجعل عليهم فيه أمينًا : يمنعهم من التعدّي والدخول فيما حَظَر عليهم ، لأنّه إن لم يكن ذلك كذلك ، لكان أحدٌ لا يترك لذّته ومنفعة لمنفعة غيره ، فجعَل عليهم قيّمًا : يمنعهم من الفساد ، ويقيم فيهم الحدود والأحكام . ومنها : أنا لا نجد فرقة من الفرق ، ولا ملة من الملل ، بقوا وعاشوا إلا بقيّم ورئيس لما لا بد لهم من أمر الدين والدنيا ، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق ممّا (لا، لا) يعلم أنّه لا بد لهم منه ، ولا قوام لهم إلا به ، فيقاتلون به عدوهم ، ويقسمون به فَيأهم ، ويقيم لهم جُمعتهم وجماعتهم ، ويمنع ظالمهم من مظلومهم . ومنها : أنه لو لم يجعل لهم إمامًا قيّمًا أمينًا حافظًا مستودعًا : لدرست الملة ، وذهب الدين ، وغيّرت السنّة والأحكام ، ولزاد في المبتدعون ، ونقص الملحدون ، وشبهوا ذلك على المسلمين ؛ لأنا قد وجدنا الخلق منقوصين ، محتاجين غير كاملين ، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت أنحائهم . فلو لم يجعل لهم قيّمًا حافظًا لما جاء به الرسول ، لفسدوا على نحو ما بينا ، وغيّرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان ، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين » صحيحة السند . وذلك ببيان أنّ عبد الواحد بن محمد بن عبدوس يروي عنه الشيخ الصدوق مترضّيًا عليه في عشرات الروايات ومترحّمًا عليه عدّة مرّات ، وهذه إشارة واضحة منه لمن يريد أن يقرأ في كتابه بأن عبد الواحد هذا عدلٌ ثقة لا شكّ فيه ، إذ لا يمكن للشيخ الصدوق الخبير بالرجال والأخبار وبضرورة أن يكون المروي عنه ثقة أن يترضّى على شيخ مجهول الحال فضلًا عن أن يكون كذّابًا . وأما علي بن محمد بن قتيبة النيشابوري فقد كان شيخ إجازة ، واعتمد عليه أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال ، وأجاز العلماء بروايات وكتب شيخه الفضل بن شاذان ، من قبيل أحمد بن إدريس (فقيه في أصحابنا ثقة كثير الحديث صحيح الرواية) وعبد الواحد بن محمد بن عبدوس والحسن بن حمزة العلوي الحسيني من أجلّاء هذه الطائفة وفقهائها ، كان زاهدًا ورعًا كثير الحديث (الخامس صاحب تصنيفات كثيرة) . هكذا علماء لا يمكن أن يروا كتب الفضل بن شاذان عن شخص مجهول الحال فضلًا عن أن يكون كذّابًا ، وهذا يعني أن علي بن محمد بن قتيبة من أجلّاء هذه الطائفة ﵇ .
وأما من حيث الدلالة فإنّها تقول « إن قال : فلِم جعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم ؟ قيل : لعلل كثيرة : منها ... » وهذه إشارة واضحة في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾(١) ، والصحيحة واضحة في عدم إرادة خصوص المعصومين ﵇ من أولي الأمر وإن كانوا هم أجلى مصاديقها ، وإنّما هي شاملة لكلّ من كان أهلًا . بنظر الله تعالى . لتولي أمور
(١) النساء : ٥٩ .
‹