ثم إنّ قوله « فإني قد جعلته عليكم حاكمًا » يدلّ على أنّ للفقيه منصب الحكومة ، والحكومة مفهوم مشكّك ، فالقاضي الذي يشخّص الموضوع ثم قال في القول الفصل الملزم للطرفين هو حاكم ، بشرط أن يكون هذا القاضي له نحو سلطة أي يكون قادرًا على التنفيذ أو قل مبسوط اليد ، فإن لم يكن مبسوط اليد لم يسمّ حاكمًا ، وإنّما يكون قاضيًا فقط كقاضي التحكيم ، والسلطان والوالي هما أقوى حاكمية من قاضي التحكيم المنصوب من قبلهما .
دليلنا على ذلك : أنّ الناظر في المعجم المفهرس لآيات القرآن يعرف أنّ معنى الحاكم هو القاضي المنصوب الذي يشخّص الموضوع ثم قال في القول الفصل الملزم للطرفين هو القاضي المنصوب الذي يشخّص الموضوع ثم قال في القول الفصل الملزم للطرفين هو حاكم ، بشرط أن يكون هذا القاضي قادرًا على التنفيذ أي مبسوط اليد ، فإن لم يكن مبسوط اليد لم يسمّ حاكمًا ، وإنّما يكون قاضيًا فقط .
يقول الله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾(١) ، ويقول جلّ وعلا ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾(٢) ، ويقول ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(٣) .
فإنّ تعقيب الحساب للحكم له مناسبة وحكمة بلا شك وإلا لم يعقب الله تعالى هذا التعقيب ، هذه المناسبة هي . والله العالم . أنّ من عادة الحاكم بعد الحكم أن يحاسب ، وإلا لا يكون لحكمه أثر ، ودينا على هذا الأمر بوضوح أكثر قوله تعالى في الآية الثالثة ، فإن الحكّام لو لم يكونوا قادرين على التنفيذ وإجراء الأحكام لما أعطاهم الناس رشاوى لتأكلوا فريقًا أموال غيرهم بالحرام .
واستدلّ بعضهم بكلمة « عليكم » بعد « حاكمًا » فإنّ قوله « عليكم » وليس « بينكم » قرينة على إرادة معنى الإستعلاء والسلطة ، وليس فقط فضّ النزاعات وإلا لقال بينكم ، ولا بأس بهذا قرينة إضافية على المطلوب .
ولذلك لم يُنسب الحكم في القرآن إلا لمن كان له نحو سلطنة أي مبسوط اليد كيوسف وداوود وسليمان ، قال تعالى عن نبيه يوسف ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ، آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾
(١) الرعد : ٤١ .
(٢) الأنعام : ٦٢ .
(٣) البقرة : ١٨٨ .
‹