فصل في صلاة الجماعة
صفحة ٢٣٣ من ٣٩٩

وممّا يؤكّد أنّ العدالة هي اجتناب خصوص الكبائر دون الصغائر ما رواه في الفقيه بإسناده الصحيح عن عبد الله بن أبي يعفور قال قلت لأبي عبد الله ﷺ : بمَ تُعرَفُ عدالةُ الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم ؟ فقال : ﴿ أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان ويُعرَف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك ، والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرُمَ على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه وتفتيش ما وراء ذلك ، ويجب عليهم تزكيته وإظهارُ عدالته في الناس ، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين ، وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا من علة ، فإذا كان كذلك لازماً لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس ، فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالوا : "ما رأينا منه إلا خيراً مواظباً على الصلوات متعاهداً لأوقاتها في مصلاه" ، فإنّ ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين ، وذلك أنّ الصلاة ستر وكفارة للذنوب ، وليس يمكن الشهادة على الرجل بأنه يصلّي إذا كان لا يحضر مصلاه ويتعاهد جماعة المسلمين ، وإنما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكي يُعرَف من يصلّي ممن لا يصلّي ، ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يُضيّع ، ولولا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح ، لأنّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين ، فإنّ رسول الله ﷺ همّ بأن يحرّق قوماً في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين ، وقد كان فيهم مَن يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك ، وكيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين من جرى الحكم من الله ﷿ ومن رسوله ﷺ فيه الحرق في جوف بيته بالنار ، وقد كان يقول "لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين إلا من علّة" ﴾(١) صحيحة السند .

من ممّا تعرف أنّ الروايات تفيد أنّ اللمم ، أي الصغائر المتواضعة التي تصدر من المؤمن عادةً ، لا تَخدش بالعدالة .

٭ هل تفيد الروايات السالفة الذكر أنّ العدالة هي أمر وجودي وهي عبارة عن ملكة وجودية نفسانية راسخة في النفس ، راسخة في القلب الذي هو محلُّ الإيمان ومنشأ الأعمال ، وهي ملكة الإستقامة التي تأمر الشخص بالعدل والطاعات وتنهاه عن المحرّمات أم أنها أمرٌ عدمي بمعنى عدم الفسق . فلو كان الشخص عاجزاً عن شرب الخمر والسرقة والظلم ولذلك

(١) ئل ١٨ ب ٤١ من أبواب الشهادات ح ١ ص ٢٨٨ .

٢٣٣