فإن قلت: لكئك رويت في قليل مصحَّحاً أبي عبيدة حيث قال: سألت أبا عبد الله ﷺ عن القوم من أصحابنا يجتمعون فيحضر الصلاة فيقول بعض لبعض: تقدم يا فلان، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «يتقدّم القوم أقرؤهم للقرآن»، فإن كانت القراءة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً، فإن كانوا في السن سواء فليؤمهم أعلمهم بالسنة وأفقههم في الدين، ولا يتقدمن أحدكم الرجل في منزله، ولا صاحب سلطان في سلطانه(١)، وهي تعني تقدّم الأفقه على الأقرأ في الجملة.
قلت: تحمل الأقرأ المقترن على الأفقه، مع تأكّد التكبير بتقدم الأقرأ في باب قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾(٢) لتأكّد الباب(٣)، ومن قبيل الروايات على تقدم الأفقه على الأقرأ ما لو كان قد فرغ في قليل من أئمة المساجد، وهذا لا يتم إلا في تقدّم الأفقه عند اجتماعه، وكون التقديم بإذن العالم(٤)، وهم ممن يحتمل أن يقدّم على غيره من صغار أهل العلم الجامع لكثير من الشرائط، من قراءة العربية الصحيحة والفصيحة وغيرها مما اشترط هنا، ولكن أمر المعاني أهون من قراءة القرآن... إلخ، فإن الجمهور المتقدم منهم الأقرأ والآخر سنا فإذا تأمّلت كانت رواياتهم في تقدم الأقرأ من الأكثر، إذ مع المراد بالأقرأ هنا من تأكّد الباب... إلخ، يدل المراد بالأقرأ الأفقه ولذلك أتت الروايات منوعة مع سياق الأدلة طلباً للجمع، وذلك جامع لكثير من المراد إذ المراد بالأفقه في مصحَّح أبي عبيدة هو العالم الجامع، فيكون باعتبار أعلام من المتقدم والمتأخر المراد بالأقرأ بقرائن... إلخ، أي تقدّم الأفقه أمر منوع، خاصة إذ المراد من الأقرأ للقرآن في تلك العصور هو العالم المتقدم بالقرآن التقوى والإسلام، وبهذا التوضيح من الفجاج الإجمالي يتقدم الأفقه على الأقرأ، ذلك أنه قد يرد بالروايات الثلاثة(٥).
١ ـ هما رواه أبو الفقيه حيث قال ﷺ: ﴿وإن سَركم أن تَرضوا صلاتكم فقدّموا خياركم﴾ وهو الذي يدل التقديم على المرء الأفضل فيها.
٢ ـ وقال أصحابنا: قد ورد في أن سركم أن تَرضوا صلاتكم فقدّموا خياركم(٦)، ورواها أيضاً (الفقيه) مرسلاً وفي (الشرائع) عن أنه قال: من قدّم على قوم وفيهم من هو أعلم منه (لم يزل أمرهم) (في سفال) إلى يوم القيامة، وروى داود الجوبري قال: عند أنه عن سفيان بن أبي زهير قال: هذا حديث رسول الله ﷺ ولم أسمعه من غيره، ذكره في أحاديثه(٧).
(١) نقل ٥ ث ٢٨ من أبواب أحكام الجماعة ج ٢ ص ٤١٩.
(٢) الزمر ٩.
(٣) نقل ٥ ث ٢٦ من أبواب أحكام الجماعة ج ٢ ص ٤١٦.
(٤) نقل ٥ ث ٢٦ من أبواب أحكام الجماعة ج ٢ ص ٤١٧.
‹