صلاة المسافر
صفحة ٢٥٥ من ٢٩٥

المباركة تفيدنا فيما نحن فيه ، وذلك لأنّ فيها مخاطبة ، والمخاطبة تعني أنّ المكلّف هو خصوص المخاطَب ، وأنّ الجاهل غيرُ مكلَّف لأنه لم يخاطَب بعدُ ، ولذلك نستفيد من هذه الآية الكريمة أنّ المكلَّف بالتقصير هو خصوص العالِم ، يؤيّد ما ذكرنا صحيحةُ زرارة ومحمد بن مسلم السابقة قالا لأبي جعفر(عليه السلام) : رجل صلّى في السفر أربعاً أيُعيد أم لا ؟ قال : « إن كان قُرئت عليه آيةُ التقصير وفُسِّرت له فصلّى أربعاً أعاد ، وإن لم يكن قُرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه » وهذا يعني أنّ غير المخاطَب غيرُ مشمول للآية وللحكم .

وروى الشيخ الصدوق بإسناده الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) : ما تقول في الصلاة في السفر ، كيف هي ، وكم هي ؟ فقال : « إنّ الله عزّ وجلّ يقول ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر » ، قالا قلنا له : قال الله عزّ وجلّ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ ولم يقل إفعلوا ، فكيف أوجب ذلك ؟ فقال : « أوليس قد قال الله عزّ وجلّ في الصفا والمروة ﴿فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ألا ترون أنّ الطواف بهما واجبٌ مفروض ؟! لأنّ الله عزّ وجلّ ذكره في كتابه وصنعه نبيُّه ، وكذلك التقصير في السفر شيءٌ صنعه النبيّ وذكَره الله في كتابه ... » صحيحة السند ، فالظاهر أنّ الإمام(عليه السلام) أراد أنه قد يقول بوحدة المناط بينهما وهو التقصير في السفر سواء كان هناك عدوّ أم لا . ما يهمّنا هنا هو أنك قد تقول بأنّ هذه الآية حينما تخاطب الناس تكشف عن وجود حكم شرعي مسبَق في اللوح المحفوظ ، وهو أنّ الحكم الأوّلي للمسافر هو التقصير من دون تقييده بالعلم ، لكنك حين تنظر إلى قوله(عليه السلام) « إن كان قُرئت عليه آيةُ التقصير وفُسِّرت له فصلّى أربعاً أعاد ، وإن لم يكن قُرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه » يتغيّر رأيُك فتقول أين المرجعية هنا . أي في الجاهل بأصل حكم التقصير على المسافر الذي لم يُصَلِّ في وقت الفريضة . في التمام ، لأننا لم نعلم بوجوب التقصير عليه أصلاً فنبقى على مرجعية التمام .

وأمّا إثباتاً فنقول إنّ عدم الإعادة ضمن وقت الفريضة وخارجَه ـ أي حتى ولو علم بوجوب التقصير على المسافر ضمن وقت الفريضة ـ يعني أنّ الحكم الفعلي إلى آخر وقت الفريضة كان لا يزال وجوبَ التمام بدليل أنه لا يعيد حتى ولو علم بالحكم ضمن الوقت ، وهذا هو المبرّر لعدم الإعادة مطلقاً . وبتعبير آخر : الجعلُ الأوّلي هو وجوب التقصير على المسافر