وبتعبير آخر : إنك تلاحظ في أمثلة الروايات السابقة أنها ذكرت نوعين من الأمثلة لمن كان عمله السفر : الأوّل : واضح وهو القدر المتيقّن : المكاري والملاّح والجمّال ، والثاني : الراعي والأعراب والبدوي والتاجر والأمير الذي يدور في إمارته ليديرها ويشرف عليها والجابي الذي يدور في جبايته والبريد ، مع وجود فرق بينهما ، ورغم ذلك ترى الإمام عليه السلام أدخل كلا الصنفين فيمن عمله السفر مع كون الصنف الثاني عملهم في السفر وليس عملهم نفس السفر .
فالصنف الأوّل إذن عملهم نفس السفر ، والصنف الثاني عملهم في السفر كجباية الزكوات وإرسال الرسائل للسلاطين وكالرعاة ونحوهم ، فهؤلاء سفرُهم يكون مقدّمة لعملهم ، وهؤلاء ـ أي كلا الصنفين ـ يكونون نظير من كان بيتُه معه .
ومثال مَن كان عمله السفر ـ سائق السيارة العمومية في زماننا هذا ولو ذلك في مواسم خاصة كما في أيام الربيع والصيف حيث يكثر السيّاح ، ومثله سوّاق الشاحنات وقوّاد الطائرات فإنّ حكمهم أيضاً التمام في السفر والصيام في شهر رمضان من القبيل الأوّل ، ومثال مَن يكون عمله في السفر في زماننا : الموظّفون والعمّال الذين يعملون في مناطق بعيدة عن أوطانهم ، أي تبلغ المسافة بين بلد عملهم وموطنهم مقدار المسافة الشرعية أو أكثر ، ثم يرجعون إليها آخر النهار أو بعد أيام فهؤلاء يتمّون صلاتهم ويصومون في شهر رمضان في أماكن عملهم .
وبتعبير آخر ، قد تسأل وتقول : لماذا وكيف مثّل الإمام عليه السلام لمن كان عمله السفر بالراعي والتاجر وغيرهم ممّن عملهم في السفر مع أنه ليس عملهم نفس السفر ؟ أو قُلْ : كيف عبّر أئمّتُنا عليهم السلام عمّن عمله في السفر أنّ عمله السفر ؟!
إلاّ وله مقام معلوم » ، والثاني بمعنى إقامة أو بمعنى دائم ومرجع هذا المعنى الثاني إلى لحاظ الزمان لا المكان ، قال تعالى ﴿وَإِذ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ وقال ﴿يُبَشِّرُهُم رَبُّهم برحمةٍ منه ورِضوانٍ وجناتٍ ، لهم فيها نَعِيمٌ مُقيمٌ﴾ أي دائم أو ذو إقامة دائمة ، ومثلها قوله جلّ وعلا ﴿أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ . والسببُ في هذا الفرق هو أنّ (مَقام) فِعالٌ ثلاثيّ وهو (قام) ، تقول (قام زيد من هنا وقعد هناك) ، وأمثلتُها كثيرة من قبيل (سَجَد ـ مسجد ، سَجَد مسجداً ، طلعت الشمس وغربت ، مَطلع الشمس ومغربها ، ...) ، وأمّا (مُقام) فهي رباعي ، تقول (أقام فلانٌ في هذا المكان شهرين أو مدّةً طويلة) فانظر إلى المدّة الزمنية ... ولذلك نقرؤها في صحيحة عبد الله بن سنان ـ الواردة في المتن ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « المكاري إن كان له مُقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر و (أو ـ ظ) ينصرف إلى منزله ويكون له مُقام عشرة أيام أو أكثر قصّر في سفره وأفطر بالضمّ ،
‹