الجواب : هو أنّ هذه كلمة عرفية متداولة جداً بين الناس ، فأنت إنْ كان عملُك في السفر وسألتُك شخصاً ـ يجهل أنّ عملك في السفر ـ فقال : هل أنت تسافر ؟ فتقول : أنا أصلاً عملي السفر ، أي أبقى رائحاً جائياً ، أي أنا لست فقط أسافر ، بل إنّ أكثر السفر ، بل أنا عملي السفر ، مع غضّ النظر عن كون عملي في السفر ، لأنه لا يوجد إنسان في العالم يسافر إلا وله غرض من السفر ولو إيصال المسافرين إلى أوطانهم ليأخذ الأجرة ، فالمراد من قوله عليه السلام "لأنه عملهم" أي لأنّ السفر عملهم ، أي لأنهم كثيروا السفر ، أو أنّ الإمام عليه السلام غضّ نظرَه عن كون عملهم أيضاً في السفر ، فليس النظر إلى عملهم ، وإنما النظر فقط إلى كثرة سفرهم لأجل عملهم ، فكثير السفر ولو لزيارة مريض له في بلد بعيد ليس عمله السفر مع أنه كثير السفر ، ولذلك أن تقول أيضاً : هو مصداق لقوله عليه السلام في صحيحة هشام بن الحكم السابقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « المكاري والجمّال الذي يختلف وليس له مَقام » أي أنّ العامل الذي يعمل مثل هذه الأعمال يُتمّ ، وليس مطلق كثير السفر ، وإلا لقال أئمّتُنا عليهم السلام باختصار "مَن كان كثير السفر يُتمّ" من دون أن يعذبوا أنفسهم ويعذّبونا في استخراج العلّة لمعرفة المصاديق .
وهكذا لا يبقى فرقٌ من ناحية تحقّق كثرة السفر بين كون السفر عملاً للشخص أو كون السفر مقدّمة لعمله ، فالذي يَكثر منه السفر لعمله يُتمّ صلاته .
ولذلك يدخل فيمن يجب عليه التمام :
❊ الطلاّبُ الذين يدرسون في أماكنَ بعيدةٍ عن أوطانهم ـ أي أكثر من المسافة الشرعية ـ لأنّ عملهم في السفر إذا كانوا يسافرون أغلب أيام الأسبوع ، بل يصحّ أن يقال إنّ الطلاّب عملهم الدراسة ، كطلاّب العلوم الدينية الذين يهاجرون إلى النجف الأشرف وقُمّ المقدّسة ، فإنك إذا سألتهم ماذا تعملون هناك لأجابوك نطلب العلوم الدينية ، فتقول نعْمَ العملُ عملُكم ، بل هو أشرف الأعمال . فليست العبرة أن يعمل الشخص لغيره بالتدريس أو بعملٍ آخر ليُطلَق عليه أنه يعمل ، لا بل مَن يعمل لأجل نفسه ـ كالمتعلّم ـ فهو أيضاً يعمل في التعلّم وفي تلخيص الدروس ، وقد يقدّم فروضَه أو رسائلَه لأستاذه وقد يُعَلّم زملاءَه أثناء المباحثة على بعض الأمور الخفيّة عنهم والمعلومة لديه ... وهذه كلّها أعمال . على أنّ طلاّب العلوم الذين يَبقون في بلد حوزاتهم أو جامعاتهم أكثر من سنة ليسوا مسافرين عرفاً ، وإنما هم في مقرّهم ، ولذلك يجب عليهم أن يَبقوا على أصالة التمام حتى يصدق عليهم السفرُ بوضوح .
‹