بتعبير آخر : لا يبعد أن يصدق على مقرّ الدراسة ـ إذا نوى الشخص أن يبقى فيه أكثر من سنة واحدة ـ أنه مقرّ المقيم ومستقرُه فلذلك يأخذ حكمَ الوطن ولا يصدق على الطالب فيه أنه مسافر فيُتمّ صلاته لهذا السبب .
❊ ثمّ إنّ من الطبيعي أن لا يذهب الموظّفُ والعامل أو الطالب في بعض أيّام السنة إلى مقرّ عمله أو جامعته لمرض أو مطر أو لإجازته السنوية ونحو ذلك فهو كالراعي من هذه الناحية ، فإنّ الراعي لا يذهب إلى الأماكن البعيدة عن وطنه في أيام الشتاء وفي حالات مرضه وفي حالات توفّر العشب المطلوب للأنعام في منطقته كما في أيام الربيع ، ورغم ذلك إذا ابتعد عن وطنه ـ كما في أيام الصيف والخريف ـ فإنه يتمّ إذا كان الإبتعاد عن وطنه أمراً كثيراً عنده كما في البلاد القاحلة ، فإنّ حكم الراعي هو التمام ولو في المرّة الأولى حتى وإن لبث في وطنه أكثر من عشرة أيام ، فلا فرق بين الصنفين من هذه الناحية .
فإن قلت : بل قوله عليه السلام « وليس له مَقام » يعني أنه ليس له مُقام في بلده أو في أي بلدٍ آخر عشرة أيام ، أي هو لا يقيم في بلده عشرة أيام وإلا قصّر في السفرة الأولى ، وهذا هو المنصرف من كلمة "مَقام" و "إقامة" . ومثلها ما ورد في صحيحة عبد الله بن سنان ـ الواردة في الفقيه ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « المُكاري إذا لم يستقرّ في منزله إلا خمسة أيام أو أقلّ قصّر في سفره بالنهار وأتمّ صلاة الليل ، وعليه صيامُ شهر رمضان ، فإن كان له مُقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر و (أو ـ ظ) ينصرف إلى منزله ويكون له مُقام عشرة أيام أو أكثر قصّر في سفره وأفطر » أي قصّر في السفر الأوّل ، ولا يضرّ وجود إشكال في صدر الرواية بعد بنائنا على التفكيك في خبر الثقة ، وقريب منها مرسلة يونس بن عبد الرحمن عن بعض رجاله عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن المُكاري الذي يصوم ويُتمّ قال : « أيما مُكار أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقلَ من مُقام عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام أبداً ، وإن كان مُقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام فعليه التقصير والإفطار » (٧٥) .
قلتُ : هذا الإنصراف المدّعَى غير صحيح ، بل قوله عليه السلام « ليس له مُقام » معناه أنه كثير السفر جداً ، بحيث صار سفره أكثر من حضره ، فهو بانٍ (٧٦) حياته على السفر وناوٍ على
(٧٥) ئل ب ١٢ من أبواب صلاة المسافر ح ١ و ٥ .
(٧٦) حذفنا الياء من (بان) و (ناو) لأنّ الإسم الذي ينتهي بياء يجوز حذف الياء من آخره في حالتي الرفع والجرّ ، قال الله تعالى ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَّبِّهِ ، إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ
‹