عدم الإقامة الكثيرة في بلده ، حتى ولو بقي الراعي في بعض أيام السنة أكثر من عشرة أيام في وطنه ، وارتكازُ المتشرّعة يؤيد هذا المعنى جداً ويعتبرون مَن يسافر في العشرة أيام مرّة أو مرّتين إنه قليل السفر وليس كثير السفر أصلاً فيجب عليه التقصير في كل من باب الرجوع إلى أصالة التقصير في السفر ، وأمّا الراعي الذي يكثر سفره فإنه يقصّر حتى في السفرة الأولى . وأمّا صحيحة عبد الله بن سنان ومرسلة يونس فهما مخالفتان لحكم الراعي والتاجر ونحوهما الذين يبقون في بلدهم أيام الشتاء والبرد والرياح ، كما ويرعون مواشيهم أيام الربيع في مناطقهم حيث الأعشاب ولا يحتاجون عادةً إلى الذهاب إلى الأماكن البعيدة للرعي ، ومع ذلك حينما يسافر الراعي بعيداً ليرعى غنمه بعد استراحة عشرة أيام أو شهر أو أكثر لصحيحة عبد الله بن سنان ومرسلة يونس ، على أنه لو كان هذا الحكم صادراً من المعصومين عليهم السلام لظَهَرَ ذلك منهم وبان في عشرات الروايات لشدّة غرابته وأهميته لكونه واقعاً تحت ابتلاء مَن عمله السفرُ أو في السفر كالكاري والرعاة والتجّار ، وإظهارُه في هكذا رواية كثيرة الأخطاء مخالفٌ لحكمة المعصومين عليهم السلام ، لذلك تخرج هتان الروايتان من موارد الحجيّة ، أو قُل لم تَثبُت الحجيّةُ لهكذا روايتين .
❊ وأمّا قول السيد اليزدي في العروة بأنّ كثيري السفر يتمّون صلاتهم حتى وإن استعملوه لأنفسهم ... فدليلُه أنّ مَن كان عمله السفر وليس له مُقام غالباً هو داخل في كثير السفر ، كما ورد في صحيحة هشام بن الحكم السابقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « المُكاري والجمّال الذي يختلف ـ أي ينتقل ـ وليس له مَقام ـ أي يسافر غالباً ولو مع أهله ومتاعه ـ يتمّ الصلاةَ ويصوم شهرَ رمضان » وهذا مصداق لهذا العنوان عند السيد اليزدي .
أقول : في صدق أنّ هذا الشخص الذي يزور مريضه الذي يبعد كلَ يوم في مكان يبعد مسافة السفر يشتغل في عمله الآن شكّ كبير ، بل هو الآن ليس في عمله ، وإنما يزور مريضه فقط ، ولذلك يجب عليه أن يقصّر بلا شكّ ولو من باب الرجوع إلى أصالة التقصير في السفر ، إلاّ أن يقصد البدوَ الرحّل ونحوَ ذلك مّن يكون متلبساً بعمله ، إذن يخرج بقوله عليه السلام « لأنه عملهم » مَن كان كثير السفر لغير عمل دائم له كمَن يزور المقامات المقدّسة أو يزور مريضاً
هاد (٧) ... لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ، إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ، وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (١١) ... لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ ، وَمَا لَهُم مِّنَ اللهِ مِن وَاقٍ (٣٤)﴾ (سورة الرعد) .
‹