صلاة المسافر
صفحة ١٠٩ من ٢٩٥

أقول : نقَل الحرّ العاملي عن الشيخ الطوسي عليه السلام أنّ الشيخ الكليني عليه السلام حمل هذه الأخبار على من يجعل المنزلين منزلاً واحداً فيقصّر في الطريق ويتمّ في المنزل ، ثم قال الحرّ العاملي : ويمكن أن يكون المراد في الأخير جعل المنزلين منزلاً واحداً ويتم إذا نزل في كل منزل .

ويرد عليهما أنّ كلا الوجهين شاذّ فتوائياً وعملاً عند العلماء والمتشرّعة ويعارضان سائر الروايات المستفيضة بأنّ المُكاري يتمّ مطلقاً أي حتى وإن قطع في النهار منزلين بدل المنزل الواحد ، بل هو المجمع عليه عند القدماء إلى زمان السيد محمد ابن السيد علي الموسوي العاملي صاحب المدارك (٩٤٦ ـ ١٠٠٩ هـ) وخاله الشيخ حسن صاحب المعالم (٩٥٩ ـ ١٠١١ هـ وقيل توفّي بعد ذلك ، وهنا تلاحظ أنّ السيد محمد كان أكبر من خاله) والمحقّق ملاّ محمد باقر السبزواري (توفّي ١٠٩٠ هـ) في ذخيرة المعاد والشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق (١١٠٧ ـ ١١٨٦ هـ) ، ولو كان هذا الحكمُ الغريب والكثير الإبتلاء صحيحاً لكثُرت فيه الأسئلة ولبان حتماً ولصار من الواضحات خاصةً عند الجمّالين من أمثال صفوان الجمّال .

على أني لا أدري من أين أنّ الشيخ الكليني عليه السلام بمعنى "جدّ في السير أي جعل المنزلين منزلاً واحداً" فإنّ من المعلوم الذي لا ريب فيه أنّ من معاني جدّ في السير أسرع فيه واجتهد ، وفي لسان العرب : "الجَدّ هو الإجتهاد في الأمور ، وفي الحديث : كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا جدّ في السير جمع بين الصلاتين أي إذا اهتمّ بالسير وأسرع فيه" وهو معنى صحيح ، نعم ما ذكره الشيخ الكليني هو مصداق من مصاديق الإسراع في السير .

هذا ولكنّ معنى (أسرع في سيره) غير مراد قطعاً ، وذلك لأنّ ذلك يخالف كلَّ روايات السفر ، وهذا كافٍ في إسقاط روايات الجدّ ـ بهذا المعنى ـ عن الحجيّة ، ولذلك فنحن مضطرّون لأن نفسّر معنى (جدّ في السفر) الذي حكمه التقصير بمعنى يخالف معنى (من كان عمله السفر) الذي حكمه التمام ، لكي تنسجم الروايات مع بعضها ، ولذلك نقول بأنّ المراد من روايات الجدّ هو أنه إذا أنشأ المُكاري والجمّال سفراً غير صنعتهما ـ كما عن الذكرى ـ أو إذا استجدّ عنده عمل السفر وقبل تحقّق الكثرة ـ كما في الروض ـ . المهم هو أنّ من معنى المُكاري والجمّال إذا جدّ بهما السيرُ فليقصّرا » و « إذا جدّوا السير ـ أي المُكارين الذين يختلفون ـ فليقصّروا » هو معنى جَدّد السير والسفر من جديد ، قال في لسان العرب : "جدّ الثوبُ والشيءُ يَجدّ جداً جداً ، وهو نقيض الخَلَق ، وأجدّ ثوباً واستجدّه أي لبسَه جديداً ، ويقال جَدّد" بل هو المعنى المراد من الروايات ، ولذلك ترى المشهور جداً عند علمائنا قالوا بهذا المعنى في "جَدّ في السير".