إذنْ فالمراد من هذه الكلمة ـ بمقتضى الجمع بين الروايات ـ هو أنّ هذا المُكاري والجمّال ونحوهم إذا كانوا لا يسافرون عادةً لأنّ عملهم في مدينتهم ، إلا أنه جدّ عليهم السفر من جديد ـ أي طرأ عليهم السفر ـ فإنّ هؤلاء يقصّرون لأنّ السفر ليس عملاً لهم من الأصل .
المهم هو أنّ كلمة « جدّ به السير » و « جدّ السير » مستعملة جداً عند العرب اليوم بمعنى طرأ عليه السفر ، فقد ترى أخاك قد سافر إلى جنوب لبنان بسيارته العمومية فتسأله متعجباً : لمَ سافرت إلى جبل عامل وخطّك داخل مدينة بيروت ؟! فيجيبك بقوله : "جدّ عليّ السفر ، وعرض عليّ شخصٌ مبلغاً كبيراً لأكون معه كل اليوم في الجنوب فقبلتُ ذلك" ، ومثلها قولُك "جدّ علينا السفر إلى القرية ـ لأمر ما ـ فسافرنا" ، وقد تكون حروف الجرّ قد تغيّرت في هذا الإستعمال من زمانهم عليهم السلام إلى زماننا .
* * * *
والمدار على صدق اتخاذ السفر عملاً له عرفاً ولو كان في سفرة واحدة لطولها وتكرّر ذلك منه من مكان غير بلده إلى مكان آخر ، فلا يعتبر تحقّق الكثرة بتعدّد السفر ثلاث مرات أو مرّتين (٦٩) ، فمع الصدق في أثناء السفر الواحد أيضاً يلحقه حكم وجوب الإتمام ، نعم إنْ لم يتحقّق عنوانُ أنّ عملَهم السفرُ أو في السفر إلا بالتعدّد فإنه حينئذٍ يُعتبر التعدّدُ حتى يَصْدُقَ العنوانُ عرفاً .
(٦٩) هذا صحيح إذا كان سفر الشخص طويلاً جداً كما لو سافر في البحر للتجارة مثلاً للمرّة الاُولى من لبنان إلى البرازيل ، فإنه لعلّه يتأخّر رجوعُه إلى وطنه بعد ستة أشهر ، فهو في كل دولة ينزل فيها لو سُئل ماذا تعمل لأجاب أعمل في التجارة في السفر ، هكذا إنسانٌ عنوانُ عمله هو أنه يعمل في السفر ، فيكون كالراعي الذي يذهب للمرّة الاُولى لرعي مواشيه لعدّة أشهر في المناطق البعيدة الخصبة ، ويكون مصداقاً للروايات القائلة "لأنه ـ أي السفر ـ عملُهم" وبأنه "يختلف وليس له مُقام ـ أي يُكثر من التنقّل ـ» .
‹