قلتُ : صحيحةُ العيص غيرُ ناظرة إلى حالة تعمّد المخالفة ، فإنه لا يُحتمَل أن يخالف الشخص عالماً عامداً فيتمّ صلاته في السفر ثم يتنجّز عليه وجوب الإعادة فإذا أخّر الإعادة حتى خرج وقت الفريضة يسقط ووجوب قضائها ! وإن شككنا في مورد نظر صحيحة العيص فهو على أيّ حال لم يأت بالمأمور به ، وفي هكذا حالة القاعدةُ . في فرض الشكّ وعدم الدليل على الإجزاء هي الاشتغال . هي الاشتغال ، إضافة إلى عدم إمكان التقرّب إلى الله تعالى في معصيته ، خاصّةً إذا كان ذلك من باب التشريع المحرّم .
٢ ـ إن أتمّ صلاته عن جهلٍ بأصل الحكم فلا يعيد سواءٌ علم ضمن الوقت أو خارجه وهو المشهور ، وذلك لصريح صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم . وظاهرُ هذه الصحيحة أنّ الجاهل بأصل وجوب التقصير على المسافر صلاته التمام في السفر صحيحة واقعاً ـ لا ظاهراً فقط ۔۔
فإن قلتَ : لكنّ صحيحةَ العيص تقول بأنه إذا كان في وقت الفريضة يعيد ؛
قلتُ : قلنا قبل قليل بأنّ صحيحة العيص غيرُ ناظرة إلى الجهل بأصل وجوب التقصير في السفر ، ولا أقلّ أنّ هذا هو مقتضى الجمع العرفي بين صحيحتي زرارة والعيص .
٣ ـ إن أتّمها عالماً بالحكم لكنّه كان ناسياً أو جاهلاً ببعض شرائط التقصير حكماً أو موضوعاً كما لو كان جاهلاً بوصوله إلى المسافة الشرعية فأتمّ صلاته ثم علم : فإن كان في وقت الفريضة أعادها ، وإن كان خارج الوقت فلا يعيد ، كما ذهب إلى ذلك السيد الخوئي ، دليلُنا التمسّك بإطلاق صحيحة العيص بن القاسم للنسيان والجهل ببعض الخصوصيّات ، فإنه مع الشكّ في إرادة الشمول الأصل كونُ المتكلّم في مقام بيان جميع الخصوصيّات ، فيصحّ التمسّك بإطلاق الكلام من التقييد لإثبات الشمول ، يؤيّد ذلك صحيحةُ الحلبي السابقة وصحيحةُ أبي بصير السابقة عن أبي عبد الله ﷺ قال : سألته عن الرجل ينسى فيصلّي في السفر أربع ركعات ؟ قال : « إن ذكَر في ذلك اليوم فليُعِد ، وإن لم يذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه » ، فإنّ المظنون جداً أن يكون حكم الناسي وحكمُ الجاهل لبعض الخصوصيّات نفس الحكم ، وحكمُ الناسي حكمُ السفر هو ـ بالإجماع . أنّه إن تذكّر في الوقت أعاد ، وإن لم يتذكّر حتى خرج الوقت لم يُعِد ، على أنّ صحيحة العيص أخصّ من صحيحة الحلبي فتقيّد بها . والنسيان الوارد في الصحيحة أعمّ من كونه نسيان الموضوع أو نسيان الحكم .
ومن هنا نقول بأنّ شرطيّة التقصير علميّة وذكريّة ، أي إذا سافر الإنسان صار وجوب التقصير عليه فعلياً (لاستحالة القول بتقييد جعل وجوب التقصير بالعلم بنفس الجعل ، والروايات
‹