صلاة المسافر
صفحة ٢٧٦ من ٢٩٥

على أيّ حال فإن استطعنا حمل بعض روايات هذه الطائفة على ما لا يعارض التخيير . كما لو استطعنا على حملها على معنى "لك أن تقصّر" . فبها ونعمَت ، وإلّا فلا بدّ من حمل هذه الطائفة الثالثة على التقيّة .

ففي كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) أنّ الشافعية والحنابلة يرون التخيير للمسافر بين القصر والتمام مطلقاً . أي حتى في غير مواضع التخيير لأنهم لا يؤمنون بشيء إسمه مواطن التخيير ، والحنفية والمالكية متّفقون على أنّ القصر واجب . سُنّي . فالحنفية يرون كونه من السُّنة المؤكَّدة . أي أنهم اختلفوا في الإجزاء المترتب على تركه ، فالحنفية يرون لو أتمّ يحرم على شفاعة رسول الله (لأنه خالف سُنّته) ويحكم بصحّة صلاته (لأنه هو الواجب الإلهي) إذا جلس في الركعة الثانية بمقدار التشهد وإن كان مسيئاً عاصياً ، فأصلُ الصلاة واجب والقصر واجب آخر ، وأمّا المالكية فيرَون أنه لا يؤاخذ على ترك التقصير وإنما يحرم من ثواب السُّنة المؤكَّدة فقط .

وفي كتاب (المغني) لابن قدامة أنّ الحنابلة يرون التخيير ، والشافعية والمالكية يرَون الإتمام ، والحنفية يرون وجوب القصر(٢٠٨) .

(٢٠٨) أقول : لا شكّ أنّ دليل الجماعة هو ما رَووه ورووناه في بداية كتابنا هذا من أنّ الله تعالى جعل الصلاة ركعتين ركعتين ، فأضاف رسول الله(عليه السلام) ركعتين إلى الظهرين والعشاء وركعة واحدة إلى المغرب لخصوص المقيم ، فقد روى الشيخ الصدوق بإسناده الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم أنهما قالا قلنا لأبي جعفر(عليه السلام) : ما تقول في الصلاة في السفر ، كيف هي ، وكم هي ؟ فقال : « إنّ الله عزّ وجلّ يقول ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر » ، قالا قلنا له : قال الله عزّ وجلّ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ ولم يقل إفعلوا ، فكيف أوجب ذلك ؟ فقال : « أوليس قد قال الله عزّ وجلّ في الصفا والمروة ﴿فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ألا ترون أنّ الطواف بهما واجبٌ مفروض ؟! لأنّ الله عزّ وجلّ ذكَره في كتابه وصنعه نبيُّه ، وكذلك التقصير في السفر شيءٌ صنعه النبيّ وذكره الله في كتابه ... » صحيحة السند ، ولعلّ نفس ذكر الله تعالى لهذا التشريع وصنع النبيّ له جعلَه سُنة واجبة تأسّياً برسول الله(عليه السلام) ، إضافة إلى أنّ هدية الله تعالى للمسافر يجب أن لا تُرَدّ .

وكذلك روى الفضيل بن يسار ـ في صحيحته المذكورة أوّل الكتاب . قال : سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر : « إنّ الله عزّ وجلّ أدّب نبيَّه فأحسن أدبَه ، فلما أكمل له الأدب قال عزّ وجلّ ﴿إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، ثم فوّض إليه أمر الدين والأمّة لِيَسوس عباده ، ثم إنّ رسول الله(عليه السلام) كان مسدَّداً موفَّقاً مؤيَّداً بروح القدس ، لا يزلّ ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق ، فتأدّب بآداب الله ، ثم إنّ الله عزّ وجلّ فرض الصلاة ركعتين ركعتين ، عشر ركعات ، فأضاف رسول الله إلى الركعتين ركعتين ، وإلى المغرب ركعة فصارت عديل