وكيفما كان فيظهر من مجموع الكلمات استقرارُ عملهم على القصر ، بل إنّك تلاحظ ذلك من تتبُّع أقوالهم وأنّ المتعارف الخارجي في ذلك الزمان كان هو القصر ولذلك قال(عليه السلام) في رواية ابن الحجاج المتقدّمة « أتممنا الصلاة واستترنا من الناس » ، وهذا كاشف عن أنهم كانوا يقصّرون وأنّ الإتمام لو كان هو المتعارف لم تكن حاجة إلى الإستتار . وعليه فلا مناص من حمل القصر الأمر في نصوص القصر على التقيّة ، ولعله لأجل أن لا يعرف الشيعي بذلك كما مر ، وهذا هو وجه الجمع بين هذه الأخبار .
إذن فالصحيح ما عليه المشهور من ثبوت التخيير في هذه المواطن وإن كان التمام هو الأفضل بلا شكّ .
ولذلك نحمل روايات التمام على الأفضليّة ، من قبيل ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج . الصحيح . قال قلت لأبي الحسن(عليه السلام) : إنّ هشاماً روى عنك أنك أمرته بالتمام في الحرمين وذلك من أجل الناس ؟ قال : « لا ، كنت أنا ومن مضى من آبائي إذا وردنا مكّة أتممنا الصلاة واستترنا من الناس » (ح ٤ من الطائفة ٢) ، فإنّ مفاد (استترنا من الناس) هو الخوفُ من خلاف الأعداء أو الخوفُ من معرفتهم بهذا الحكم المهم والمذخور للشيعة أو خوفاً من انتشاره فيعرفه النواصب فيميّزون الشيعة به ويضرّوهم ، المهم هو صراحة هذه الصحيحة في أفضلية التمام واقعاً .
ولذلك ترى عليّ بن مهزيار يقول . في صحيحته السابقة . « قد علمت ـ يرحمك الله . فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما ، فأنا أحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصر ... » فإنّ قوله بأنّ فقهاء أصحابنا أشاروا عليه بالتقصير يكشف عن شدّة تكتّم أئمّتنا(عليهم السلام) عن هذا الحكم
الفريضة ، لا يجوز تركهن إلّا في سفر ، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر ، فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك ، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة ، ثم سنّ رسول الله(عليه السلام) النوافل أربعاً وثلاثين الله عزّ وجلّ له ذلك ، والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة ... ولم يُرخّص رسول الله لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمّهما إلى ما فرض الله عزّ وجلّ ، بل ألزمهن ذلك إلزاماً واجباً ، لم يُرخّص لأحد في شيء من ذلك إلّا للمسافر ، وليس لأحد أن يرخّص (شيئاً) ما لم يرخّصه رسول الله(عليه السلام) ، فوافق أمرُ رسول الله أمرَ الله عزّ وجلّ ونهيُه نهيَ الله عزّ وجلّ ، ووجب على العباد التسليمُ له كالتسليم لله تبارك وتعالى » ، ولذلك قالوا بجواز الإتمام للمسافر بناءً على أنه سُنة نبوية واجبة ، ويجوز التقصير أيضاً بناءً على أنه هو الواجب الإلهي .
هذا من ناحية فتاواهم ، لكن من ناحية عملهم فقد استقرّ عملهم على القصر . لأنه من ناحية هو أصل الواجب ومن ناحية ثانية هي سُنة نبوية واجبة . من دون فرق بين مواطن التخيير وغيرها لأنهم لا يؤمنون بشيء إسمه مواطن التخيير ..
‹