صلاة المسافر
صفحة ٢٨٧ من ٢٩٥

ثالثها : أن يكون أضيق من ذلك أيضاً ، بأن يُراد به الرواق وما حواه من الحرم الشريف ، فإنّ الاحترام هناك آكد ومناط التجليل أزيد ، ولذا لا يرتكب فيه ما قد يرتكب في الصحن الشريف .

رابعها : أن يراد به الأضيق من الكل وهو ما دار عليه سور الحرم والمعبر عنه باسم الحرم في عصرنا الحاضر ، فإنّ هذا المكان الشريف هو الفرد البارز وأظهر المصاديق مما يطلق عليه لفظ الحرم فهو القدر المتيقن مما يراد من هذا اللفظ عند الاطلاق .

فإذا دار الأمر بين هذه المحتملات فمقتضى الصناعة الإقتصارُ على المقدار المتيقن لدى تردد المخصص المجمل بين الأقل والأكثر وهو المعنى الأخير ، والرجوع فيما عداه إلى عمومات القصر التي هي المرجع ما لم يثبت التخصيص بدليل قاطع . وأما احتمال الإختصاص بما حول الضريح المقدس ملاصقاً معه أو في حكم الملاصق تحت القبة السامية فهذا لا دليل عليه ، بعد كون المتيقن من الحرم أوسع من ذلك حسبما عرفت . فالنتيجة على ما ذكرناه تعميم الحكم بالتخيير لتمام الحرم الشريف ، ولكن لا يتعدى إلى خارجه حتى الرواق فضلاً عن غيره ، لعدم الدليل ، وإنما تعدّينا عن المساجد في الحرمين وفي الكوفة لقيام الدليل المفقود في المقام حسبما عرفت" إنتهى .

أقول : بل بناءً على كلام السيد الخوئي يجب القول بكون كلّ ما يصدق عليه حرم الحسين ـ بما فيه الصحن الذي سقّفوه أخيراً سنة ٢٠٠٩ م ـ أن يخيّر فيه المسافر .

وبتعبير آخر أقول : لا شكّ في أنه لم يضع الشارعُ المقدّسُ لحرم الإمام الحسين ‏عليه السلام‏ حدّاً محدوداً ، ولم يتّضح حدود الحائر ، وإنما قام المؤمنون بإعمار حرم الإمام الحسين شيئاً فشيئاً وببطء ـ لكون كربلاء أيام الفاجعة الأليمة لم تكن مأهولةً بالسكّان ـ وذلك قبل أو بعد المتوكّل العبّاسي ـ الذي أمر بإطلاق الماء على قبر الإمام الحسين ليعفيه ويخفيه فكان الماء لا يبلغُ القبرَ ، فسمّي حينها بالحائر الحسيني ـ . والمتوقّع جداً أنه لم يكن لحرم الإمام الحسين حيطان ذو قيمة أو سور محدود في زمن الإمام الصادق ‏عليه السلام‏ لأنها كانت أيام ملاحقة الشيعة وتقتيلهم ـ أي أيام الأُمَويين والعبّاسيين ـ ولا يمكن حينها بناءُ الشيعة لضريح الإمام الحسين ‏عليه السلام‏ الذي قتله بنو أُمَيّة أنفسهم ، إلّا لعلّه شيئاً قليلاً لا اعتبار به . ولعلّه لذلك لم يَحُدّ الإمامُ الصادق حرمَ الإمام الحسين وإنما أعطى إسماً عامّاً لما يصدق عليه حرمُ الحسين ‏عليه السلام‏ ، نظراً إلى الأزمنة اللاحقة ، وفي هذا حكمة بالغة ، ولو كان لحرم الإمام الحسين حدّاً محدوداً عند الله لذكره أئمّتنا ‏عليه السلام‏ بوضوح .

٢٨٧