حتى جرى إلى خارج الأرض بشكل ينبوع وجرى لكان أيضاً ماءً جارياً ، فالعبرةُ إذَنْ بكونه مادّة لا جارياً .
بل إنّ ماء المطر إنما أُخِذَ ـ في الشرع ـ حكمَ الماء المعتصم لأنه أكثر من المادّة بكثير ، ذلك لما ذكرناه أكثر من مرّة من أنّ التطهير أمر توصّلي لا تعبّدي ، وقد يشير إلى هذا قولهﷺ فيما رواه في الفقيه بإسناده الصحيح عن هشام بن سالم أنه سأل أبا عبد اللهﷺ عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكفّ فيصيب الثوب ؟ فقال : « لا بأس به ، ما أصابه من الماء أكثرُ منه »(٨٦) (صحيحة السند) ، فقولهﷺ « ما أصابه من الماء أكثرُ منه » يشير إلى توصّليّة التطهير وإلى أكثريّة ماء المطر من النجاسة وغلبتها عليها ، وكذا ما رواه في الفقيه أيضاً بإسناده(٨٧) عن علي بن جعفر عن أخيه موسىﷺ قال : سألته عن البيت يبال على ظهره ويُغتسَلُ من الجنابة ثم يصيبه المطرُ ، أيؤخذ من مائه فيُتوضأ به للصلاة ؟ فقال : « إذا جَرَى فلا بأس به » فإنّ قولَه « إذا جَرَى » يشير بوضوح إلى كون ماء المطر كثيراً وإلى توصّليّة التطهير . فإذا أصاب ماءُ المطر الماءَ الراكد إلى حدّ كثير بحيث أزال ماءُ المطرِ النجاسةَ فإنه يُحكَم بطهارة الماء الراكد وإلاّ فلا .
وبتعبيرٍ آخر : لا يَطْهُرُ الماءُ الراكد بمجرّد رؤية ماء المطر له ، بخلاف من يدّعي ذلك بذريعة مرسلة (عبد الله بن يحيى) الكاهلي عن رجل عن أبي عبد اللهﷺ ـ في حديث ـ قال : قلت : يسيل عليّ من ماء المطر أرى فيه التغيّر ، وأرى فيه آثار القذر ، فتقطر القطرات عليّ وينتضح عليّ منه ، والبيت يتوضّأ على سطحه ، فيكفّ على ثيابنا ؟ قال : « ما بذا بأس ، لا تغسله ، كلّ شيء يراه ماء المطر فقد طهر » !!!
(٨٦) ئل ١ ب ٦ من أبواب الماء المطلق ح ١ ص ١٠٨ .
(٨٧) قال الشيخ الصدوق في الفقيه : "كلّ ما كان في هذا الكتاب عن عليّ بن جعفر فقد رويتُه عن أبي عن محمد بن يحيى العطّار عن العَمْرَكي بن علي البُوفَكي عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفرﷺ . ورويته عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه عن محمد بن الحسن الصفّار وسعد بن عبد الله جميعاً عن أحمد بن محمد بن عيسى والفضل بن عامر عن موسى بن القاسم البجليّ عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفرﷺ ، وكذلك جميع كتاب عليّ بن جعفر قد رويته بهذا الإسناد" (إنتهى) . أقول : كلا السندين صحيح .
١٠٠
‹