قلتُ : نعم ، قد يكون قولك هذا صحيحاً أُصولياً ، لكنّ الإستصحابَ أمرٌ عقلائي المنشأ ، وقد تَعلَّق به أئمّتُنا عليهم السلام بقولهم في صحيحة زرارة المشهورة "لا ، حتى تستيقن أنه قد نجّسه ، حتى يجيء من ذلك أمر بيّن ، وإلّا فهو على يقين من وضوئه ، ولا ينقض اليقين بالشكّ .." فاستدلّ الإمامُ عليه السلام بأمر فطري عقلائي ، وهكذا نحن نستدلّ أيضاً فنقول : يرى العقلاءُ أن الأصل الجاري هنا هو أصالةُ العدم الأزلي ، أي أنّ الأصلَ هو عدم وجود مادّة ، وملاقاةُ النجاسة أمرٌ وجداني واضح ، وبالتالي يجب ـ على الأحوط ـ أن نحكم بالنجاسة ، رغم أنّ الحكم بالنجاسة يترتّب على التعبّد بقلّة الماء وملاقاة النجاسة .
* * * * *
مسألة ٣ : يعتبرُ في عدم تنجس الجاري اتصالُه بالمادّة عرفاً ، فلو كانت المادّةُ تترشّح من فوقُ وتتقاطر ، فإن كان الماء التحتاني دون الكُرّ فإنه ينجس(٢٦) . نعم ، إذا لاقى محلُّ الرشح للنجاسة ـ كينابيع الآبار . وكان الرشحُ بمقدار معتدّ به فإنّ هذا الماء الجاري المترشّح لا ينجس إن لم يحمل نجاسة عرفاً .
(٢٦) لعدم الإتصال العرفي . نعم ، لو كان التقاطر بقوّة المطر العادي الذي تنصرف إليه الرواياتُ ـ لا الخفيف جداً ـ لكان معتصماً ، وأمّا إن لاقى محلّ الرشح للنجاسة فإن كان الإتصال بالمادّة عرفياً ـ كما في ينابيع الآبار ـ فلا ينجس محلّ الرشح بالنجاسة إن لم يحمل نجاسة بنظر العرف .
* * * * *
مسألة ٤ : لا يعتبر في المادّة الدوامُ ، فلو اجتمع الماء من المطر أو غيره تحت الأرض وحُفِرَت الأرضُ وصار الماءُ ينبع ، فإن كانت المادّةُ كرّاً ـ ولو للإستصحاب ـ فلا شكّ في لحوق هذا الماء الجاري الإصطناعي بالماء الجاري الطبيعي(٢٧) .
(٢٧) ينبغي هنا أن نشرح المسألة بتفصيل رغم وضوحها لمن قرأ أبحاثنا السابقة فأقول : العبرةُ أن تكون المادّةُ كرّاً ، فلو حصل عندنا شكٌّ في كرّيّة مادّة النبع فلا يمكن البناء على الكريّة بغير دليل . ومن الأدلّة استصحابُ الحالة السابقة سواء كانت الكريّة أو القلّة .
٥٨
‹