الطهارة
صفحة ٤٤٦ من ٢٠٢٦

وكذا لو ألقاه في البالوعة مثلاً لوجب على نفس الملقي تخليصُه منها لعين ما ذكرناه من أنه هو المسبب ، وأنه هو مقتضى العدالة .. نعم لو قصّر في انتشاله من النجاسة لوجب على كلّ القادرين العمل على انتشاله .

لا يقال : إنّ السبب الحقيقي لوجوب انتشاله هو المولى تعالى ، فلولاه عزّ وجلّ لما وجب انتشالُه ولأبقيناه في البالوعة ، فدفع إجرة العمّال للإنتشال يجب أن يكون على المولى تعالى لا على الملقي ، نعم الملقي يجب عليه أن يعطيه المثل فقط .

فإنه يقال : كان يجب عليه قبل أن يلقي أن يسأل ماذا يترتّب على الإلقاء من آثار ، فسيقال له الإنتشال قطعاً ـ رفعاً للهتك والمهانة ـ حتى ولو اقتضى الأمرُ عمّالاً وأُجرة ، فجهلُه لا يرفع عنه آثار فعله عقلاً . وقد ذكرنا دليل ذلك قبل قليل ، وقلنا إنّ على الإنسان أن يتعرف على ما سيترتّب على فعله من أُمور ، وجهلُه لا يرفع عنه الآثار ... ولذلك لا ينبغي أن يقال إنّ السبب الحقيقي في لزوم التطهير هو الله تعالى ، فلولا أمرُه عزّ وجلّ لما وجب التطهير والأُجرة ، ولاكتفينا بالمثل فقط ، فراجع ... المهم هو أنّ السبب الحقيقي والتامّ هو المنجّس وليس المولى تعالى وقانونَه .

٭ ٭ ٭ ٭ ٭

مسألة ٢٩ : إذا كان المصحف المتنجّسُ للغَير ، فهل يجب تطهيره من دون إذن صاحبه ؟ أو هل يجوز ؟

الجواب هو أنه إن كان في وجود النجاسة هتْك لكتاب الله ومهانة له فلا شكّ في وجوب تطهيره فوراً ، وعليه فإن أمكن إرشادُ المالك إلى النجاسة ليطهّرها هو بنفسه وجب الإرشاد والتطهير ، طبقاً لقاعدة عدم جواز التصرّف بمال الغَير إلاّ بإذنه ، وإن رفض التطهير فإن أذن بإزالة النجاسة فح يجب تطهيره فوراً ، وإن لم يأذن وجبت إزالة النجاسة عن المصحف مع القدرة فوراً ورغم أنفه ، فإنه ليس للإنسان الحريّةُ في إهانة كتاب الله عزّ وجلّ ، لا بل إنّ المالك الحقيقي للإنسان وممتلكاته هو الله سبحانه وتعالى ، واللهُ أذِنَ لنا بالتصرّف بها إلى حدّ معقول ، لا