الطهارة
صفحة ٢٤٣ من ٢٠٢٦

هذا ، ولكنّنا نستدلّ على نجاسة السقط من الإنسان والحيوان بأنه ليست العبرةُ في نجاسة المَيتة أنها كانت ذا حياة حيوانية قد ولجت فيها الروح سابقاً ثم خرجت ، وإنما العبرةُ هي في كون المَيتة لحماً لا روح فيها ، فأيّ فرق بين حيوان قد ولَجَتْ فيه الروحُ سابقاً ثم خرجت ، فهو الآن لحم لا روح فيه ، وبين السقط الذي لا روح فيه لعدم ولوج الروح فيه من الأصل ؟! خاصّةً إذا سقط السقط قبل ولوج الروح فيه بأيّام قليلة ؟! أقصد ما هي الفائدة فيما لو دخلت فيه الروحُ يومين مثلاً ثم خرجت أو لم تلج فيه الروح من الأصل ، طالما أنّهما في كلتا الحالتين لا روح فيهما حالياً . وبتعبير أوضح : هل أنّ نجاسة المَيتة ناشئةٌ من الروح ، أي من ذهابها ، أم أنها ناشئةٌ من نفس اللحم والشحم اللذين فيها ؟ لا شكّ أنّ منشأ النجاسة هي من اللحم والشحم ولا ربط للروح في ذلك ، بل أكْلُ السقط الذي لم تلجه الروح أشدُّ حرمةً ـ أي أشدّ قذارةً ـ من السقط الذي ولَجته الروحُ ، وذلك لأنه لا يجوز أكلُ السقط ولو ذُكِّيَت أمُّه .

كما واستَدَلّ بعضُهم على النجاسة بأنّه جزءٌ مبانٌ من الحيّ ، فيجب أن يكون مَيتة نجسةً كيَد الرَّجُل ورجْله إذا انفصلا من الحيّ ، أو على الأقلّ السقط فيه نحو جزئيّة من الأُمّ كالجنين تماماً ـ لا كالبيضة من الدجاجة . ولذلك ترى الفقهاء يُفتون بفطرتهم بنجاسته .

أقول : يمكن القول بصحّة هذا الوجه ، فإنه يبعد أن تكون الأم بالنسبة إلى الجنين أو السقط بمنزلة الوعاء ، كالدجاجة من حيث إنها وعاءٌ للبيضة ، فالبيضة ليست جزءً من الدجاجة ، فيبعد أن يكون السقط كالبيضة في رحم الأُمّ ، وأنه مستقلٌّ عن أُمّه .

والمظنون قوياً أنّ مقصود القوم من استدلالهم على نجاسته بصدق المَيتة عليه بدعوى أنّها عبارةٌ عَمّا من شأنه أن تلجَه الروحُ وإن لم تلجْه فعلاً هو ما ذكرناه .

فالسبب في القول بنجاسة السقط هو في موت هذا اللحم لا غير ، ولذلك لا بُدَّ من الإحتياط الوجوبي في القول بنجاسته إن لم يكن هو الأقوى والله العالم .

وكذا الكلام تماماً في الفَرخ الذي مات في البيضة إن كان قد صار لحماً ، أمّا إن كان لا يزال دماً فالأحوط وجوباً اعتباره نَجساً .

٭ ٭ ٭ ٭ ٭

مسألة ١٠ : ملاقاة المَيتة توجب النجاسةَ بشرط وجود رطوبة مسرية(١٠٨) سواء في مَيتة الإنسان قبل الغُسل أو في مَيتة الحيوان .

٢٤٣