الطهارة
صفحة ٩٨ من ٢٠٢٦

ومقتضى الجمع بين الروايات أن يقال بأنّ الطائفة الأُولى إرشادٌ إلى وجود جراثيم في الماء بسبب المَيتة ـ لا وجود نجاسة ـ وذلك لعدم الأمر بالنزح في الكثير من الروايات مع أنها في مقام العمل ، ولذلك كانت هذه الأحكام مشهورةً جداً بين الفقهاء المتأخّرين(٨٤) وبعض المتقدّمين.

٭ ٭ ٭ ٭ ٭

مسألة ١ : ماء البئر المتصلُ بالمادّة إذا تنجس بالتغيُّر فطُهْرُهُ بزوال صفات النجاسة حتى يطيب طعمُه(٦٢) ولو بسبب نزح بعض مائه واتّصاله بالمادّة النابعة أو نزول المطر عليه .

(٦٢) كماء المطر ، فكما هو مطهّر لسطح البيت الذي جعلوه كنيفاً فكذلك ماءُ البئر النابع مطهّر لنفسه بلا شكّ ، ولك أن تستفيد ذلك من صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع السابقة عن الرضاﷺ « ماء البئر واسع لا يُفسده شيء ـ أي لا ينفعل بشيء من النجاسات أي هو معتصم ـ إلا أن يتغيَّرَ ريحُه أو طعمه فينزح منه حتى يذهب الريح ويطيب طعمه ـ فيَطْهُر ـ لأنّ له مادّة » فالغايةُ ـ إذَنْ ـ هي ذهاب صفات القذارة ، فلو فرضنا أن القذارة زالت من تلقاء نفسها ـ لتزايد الماء عليها مثلاً ـ لحصلت الغايةُ وهي زوال القذارة الذي هو موضوع الطهارة ، وإنما يَطْهُر بزوال عين النجاسة لأنّ المادّة التي تنزل عليه تغلب القذارةَ وتزيلها . وبتعبيرٍ آخر : بما أنه واسع وله مادّة فهو يطهر بمجرّد زوال القذارة ، فدَوْرُ المادّة ـ إذَنْ ـ هو غلبةُ الماء النظيف على القذارة .

وهنا ملاحظة مهمّة وهي أنّ الأمر بالنزح ـ في روايات عدم لزوم النزح ـ بقرينة تصريح أئمّتناﷺ بالطهارة ـ هو إرشاد واضح إلى عدم ذهاب الجراثيم والقذارة من دون النزح ، ولذلك لن تجد عاقلاً يستعمل هكذا ماءً في الشرب أو في الأكل ، وهذا أمر وجدانيّ واضح .

ومن هنا نقول : إننا لم نفهم معنى معقولاً لقول الشيخ الطوسي بأنّ ماء البئر معتصم ـ لا ينفعل بملاقاة النجاسة ـ ورغم ذلك يجب نزح المقدّرات تعبّداً !! فإنّ كلامه لا يصحّ إلاّ بحمل روايات النزح على لزوم إزالة الجراثيم من البئر .

ثم إنك تعلم أنه من دون جريان المادّة بقوة على البئر لا تزول الجراثيمُ والقذارة التي هي موضوعُ النجاسة ، وهذا أمرٌ واضح جداً من خلال صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع

(٨٤) راجع حاشية العروة الوثقى طبعة الستّ مجلّدات في ماء البئر .

٩٨