الطهارة
صفحة ٨١ من ٢٠٢٦

وبتعبير آخر : نحن نعلم أنّ النجاسة قد وقعت في هذا الإناء المعيّن ولكننا لا ندري إذا كان هذا الماء ـ الذي وقعت فيه النجاسةُ الآن أمامنا ـ هو الكرّ أو أنه هو القليل ، فهذا شكّ بدْوِيّ وهو مجرى للطهارة .

لكنْ هنا مشكلةٌ ، وهي أننا إنْ أجرينا استصحابَ الطهارة أو قاعدتَها في هذا الإناء المعيّن فهنا سيرفع الإناءُ الثاني يدَه ويقول لنا : إجراءُ الطهارةِ في ذاك الإناء يعني أنكم حكمتم بكون الماء القليل هو أنا ! وهذا ترجيح بلا مرجّح ! فعليكم أن تحتاطوا ، فلعلّي أنا الكثير وذاك هو القليل ، فاللازم أن تتساقط دعْوَيانا وتحكموا بالإحتياط .

فأقول : هذا الكلام غيرُ صحيح ، فهذا العلمُ الإجمالي غير منجّز علينا أصلاً ، وذلك لأنّ الإناء الذي وقعت فيه النجاسة إن كان هو الكثير فلم يحصل نجاسة في كلا الإناءَين ، وإن كان الإناء الذي وقعت فيه النجاسة هو القليل فقد حصلت النجاسة فيه وحده ، فإذن نحن نشكّ في طروء النجاسة على أحد الماءين أو عدم طروئها من الأصل ، وهذا مجرى استصحاب الطهارة بلا شكّ ولا إشكال .

وكذلك الأمر تماماً على فرض وقوع النجاسة في إناء لا نعرفه بالذات فللشكّ في وقوع النجاسة في القليل تُستصحَب طهارةُ الماء القليل ، وذلك لعدم تنجّز هذا العلم الإجمالي هنا أيضاً ، فإنّ وقوع النجاسة في الكثير لا يترتّب عليه أثر ، فيبقى أنّنا نشكّ في وقوع النجاسة في القليل وهذا أيضاً مجرى قاعدة الطهارة بلا شكّ .

* * * * *

مسألة ١٢ : إذا كان ماءان ، أحدُهما المعيَّنُ نجِسٌ ، فوقعت نجاسة لم يُعلم وقوعُها في الماء النجس أو في الماء الطاهر ، لم يُحكَم بنجاسة الطاهر(٤٤) إلا إذا كان للنجاسة الحادثة أثرٌ زائدٌ كالتعفير فيجب الإجتنابُ عنهما على الأحوط .

(٤٤) وذلك لأنّ وقوعَها في النجس لا أثر له شرعاً ولا عقلائياً ، فيبقى أنّ استصحاب طهارة الماء الطاهر يكون بلا معارِض على قول البعض ، وعلى قولنا ـ يكون ـ حُكْماً ـ من باب الشكّ البدْويّ . وبتعبير آخر : قد تشكّ في قطرة نجاسة هل أنها وقعت على ثيابك أم وقعت على الطريق ، ففي هكذا حالة سوف تقول "أبني على بقاء طهارة ثوبي" وهذا أمر صحيح ، والدليل هو أنك ترى أنّ النجاسة التي تقع على الطريق لا أثر لها شرعاً وعقلائياً ، وكذلك

٨١