الطهارة
صفحة ١١٢ من ٢٠٢٦

أقول : يَردُ على السيد اليزديﵥ أنّ الترجيح بالأكثريّة إنما ورد في مجال الفتاوى والدعاوى(١٠٣) لا مطلقاً ـ أي حتى في مثل الطهارة والنجاسة ـ على أنه قد يكون الإثنان أوثقَ من الأربعة وأقربَ إلى معرفة الحال ومعتمدَين على العلم الحسّي دون الأمارة الأُخرى ، وادّعاءُ الأولويّة أو وحدة المناط مع الدعاوَى والفتاوَى غيرُ واضح أصلاً ، فالحكم هكذا مطلقاً لا دليل عليه ، لا عقلاً ولا نقلاً ، خاصّةً وأننا لا نؤمن بأصل حجيّة هكذا بيّنات متعارضة ، كما لا نؤمن بأصل حجيّة البَيّنة المخالفة لما هو معلوم عندنا ، فلو قال لي شاهدان عادلان بأنّ الشيء الفلاني نجس ، وقد طهَّرتُه أنا بنفسي وأنا أعلم بطهارته ، فإنّ هذه البَيّنة لا تكون حجّةً من الأصل . ولك أن تقول بأنّ أدلّة حجيّة البَيّنة لم تكن ناظرةً إلى حالات التعارض فيما بينها ، بل أنا أدّعي أنّ اعتبارها حجّة ثم تساقطها خلافُ الحكمة ، بمعنى أننا لا نحتمل أن يقول لنا الله تعالى هذه البَيّنة القائلة "هذا الكتاب لزيد" وتلك البَيّنة القائلة "لا ، وإنما هو لعَمرو" كلاهما حجّة ، ثم يتساقطان ! فإنّ القول بحجيّتهما معاً قولٌ باجتماع الضدّين أو المتناقضين . ولذلك تراني أقول بأنّ الأصل في حال تعارض خبر ثقة مع خبر ثقة آخر هو عدم حجيّتهما من الأصل ، إلاّ أنّ الشارع المقدّس أمرنا بالرجوع إلى المرجّحات المعروفة في مصحّحة عُمَر بن حنظلة في مقام الفتاوى والدعاوى وفض الخصومات ، لا غير ، وهذه حكمةٌ بالغة .

ثم إننا قد ذكرنا قبل قليل تقدُّمَ الأمارة الحسيّة على الأمارة المعتمدة على الأصل العملي ، لعدم التعارض بينهما عرفاً ، وذلك لمعلوميّة ورود الأمارة على الأصل ، أي لإلغاء الأمارة لموضوع الأصل ، ومن الطبيعي أنه في مثل هكذا حالة الأحوطُ وجوباً السؤالُ من كلتا الأمارتين ـ مع الإمكان ـ عن منشأ علمهما ، وذلك للعلم إمّا بخطأ إحدى الأمارتين أو اعتماد بعضهم على الأصل العملي ، وحُكمُنا هنا بلزوم السؤال منهم أَولى من حُكمِنا ـ في باب الحج ـ بلزوم استكشاف الإستطاعة إلى الحجّ ، فليؤخذ هذا الأمر بعين الإعتبار .

٭ ٭ ٭ ٭ ٭

مسألة ٩ : تثبت الكريّةُ بالعِلم وبالبَيّنة بل وبإخبار العَدل الواحد ، وفي ثبوتها بقول صاحب اليد وجهٌ وجيه إلا أن يكون كافراً(٧٠) .

(١٠٣) كما في مصحّحة عمر بن حنظلة .

١١٢