الطهارة
صفحة ١١٩٢ من ٢٠٢٦

(٦٤٥) قد تقول : إنّ البناءَ على عدم الإستبراء هو أمرٌ واضح ومجمع عليه وهو استصحاب موضوعي لا شكّ فيه ولا خلاف ، ويترتّب على عدم الإستبراء كونُ الخارج مَنيّاً ، فيجب إذن الإغتسال .

فأقول : هذا الكلام بهذه البساطة يَنمُّ عن قلّة العلم ، فهنا يوجَد نظرٌ وكلامٌ في حقيقة هذا الإستصحاب ، فهل هذا الإستصحابُ أصلٌ مثبتٌ وبالتالي لا يصحّ استصحابُ عدم الإستبراء لإثبات كون الخارج منه منيّاً وبالتالي لإثبات وجوب غسل الجنابة ، أم أنه ليس أصلاً مُثْبِتاً ؟ وبتعبيرٍ آخر : هل يمكن أن نُثْبِتَ ـ بالإستصحاب المذكور ـ خروجَ المنيّ ظاهراً وتعبّداً لإثبات وجوب الغُسل ، فإنّ من الواضح أنّ الإستصحاب لا يُثبِت الآثار الشرعية المترتّبة على الآثار التكوينية ، فمثلاً ـ في الأمثلة المشهورة ـ الإستصحابُ لا يُثبِت وجوب ذَبح شاة على الوالد الذي نذر أن يذبح شاةً إذا نبتت لحيةُ ولده الذي غاب عنه منذ صغره ... والإستصحابُ لا يُثبِتُ وجوبَ دفع الدية على مَن أطلق رصاصةً من بعيد باتجاه رأس شخصٍ بحيث لو بقي هذا الشخصُ واقفاً مكانَهُ لَقَتَلَتْهُ الرصاصةُ ... والإستصحابُ لا يُثبِتُ وجوبَ أن تعتدَّ زوجةُ الذي كان نائماً تحت الحائط وقد وقع الحائط إلى جهته وهرب المشاهدون الذين شاهدوا وقوعَ الحائط ولم يعلموا إنْ كان قد استيقظ النائمُ وهرب من مكانه أم أنه بقي نائماً ووقع الحائط عليه ومات ، فإنّ علماءنا لا يحكمون بتقسيم التركة وباعتداد الزوجة ...

المهمّ هو أنه هل يُثبِتُ استصحابُ عدم الإستبراء بالبول كونَ الخارج منيّاً تعبُّداً ـ كأمرٍ تكويني وجودي ـ لإثبات وجوب الغُسل ؟

والجواب : وجوب الغُسل يترتب شرعاً على خروج المنيّ كأمر وجودي وجداني أو تعبّدي ـ لا كأمرٍ عدمي . واستصحابُ عدم التبوّل يُثبِتُ عدمَ التبوّل لا أكثر ولا يُثبِتُ أموراً أخرى غير عدم التبوّل كخروج المنيّ ، خاصةً وأنّ خروج المنيّ هو أمرٌ وجودي ، وبتعبيرٍ آخر : إستصحابُ عدم التبوّل لا يمكن أن يُثبِتَ خروجَ المنيّ تعبّداً ، لوجود فرق واضح بينهما ، فكيف يُثبِتُ بالتالي وجوبَ الغُسل ؟! لا بل حتى لو كان الأمرُ تكوينياً لَما صحّ ترتّبُ خروج المنيّ على عدم التبوّل ، وذلك لاحتمال عدم بقاء شيء من المنيّ في المخرج عند التطهير من النجاسة ، على أنّ الأصلَ ـ مع الشكّ ـ عدمُ التعبّد .

يؤيّدُنا أنّ الذي لم يستبرئ بالبول قبل الإغتسال ، حينما يُبوّل هو يَحتمِلُ جداً خروجَ شيءٍ من المنيّ مع البول ، ومع ذلك لم يوجِب أحدٌ من العلماء ـ على حدّ فحصي ـ الغسلَ عليه ،

١١٩٢