(٣٩٦) وذلك لأصالة البراءة من الوجوب المشكوك ، لأنّ الشبهةَ الوجوبية بدْويّة بوضوح ، سواءً كان المسلمون هم الأكثريةَ في المنطقة أم كانوا الأقلّية .
هذا ولكن رغم صحّة هذا الكلام على المستوى الأصولي ، إلّا أنّ دفنَ المسلم ـ لأصالة عدم وجوب التغسيل ـ أمرٌ خطير لذلك يَرفضه عقلُ المتشرّعة ونحن لا نفعله بل ليس من شيَم المؤمنين ذلك ، إلا أن نقع في الحرج الشديد من تغسيله فح لا حول ولا قوة إلا بالله ، وهذا الأمر شبيه بمورد احتمال وجود سمّ في أحد الصحون الموضوعة أمامنا ، فهل يأكل منها العقلاء ، أو قل هل تجري أصالةُ البراءة في الأكل منها ؟ الجواب : في هكذا أمور خطيرة لا تجري البراءةُ ، بل أدلّة البراءة تنصرف عن هكذا موارد خطيرة .
قد تقول : ليس الأمر بتلك الخطورة إن لم نغسّل الميّت ولم نصلّ عليه .
فأقول : القضية مرتبطة بمدى شعور المفتي بأهمية تجهيزات الميّت من غَسله إلى تحنيطه إلى تكفينه إلى الصلاة عليه ، فقد يشعر بأنها ليست بتلك الأهمية والخطورة فيفتي بجريان البراءة كما يُجري البراءةَ في المقدار المشكوك من الصلوات الفائتة ، والعبدُ الفقير يشعر بكونها من الصنف المهم والخطير بالنسبة إلى الميّت الذي لا تجري فيه البراءة ، لذلك يجب أن يُفتَى بالإحتياط الوجوبي لا أكثر .
ثم اعلم أنه لا أساس للقول بأصالة الإسلام وعدم الكفر ، فكلاهما عقيدتان وجوديتان يجب إثباتُهما ـ ولو بالإدّعاء ـ لِيَثْبُتا شرعاً .
ملاحظة : روى في يب بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن إبراهيم بن هاشم عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حمّاد بن عيسى (جواهر الكلام ومستمسك العروة) (حمّاد بن يحيى ـ الوافي وعوالي اللآلئ والمهذب البارع وكشف اللثام ، على أيّ حال ، ابنُ يحيى هذا مجهولُ الوثاقة) عن أبي عبد اللهﷺ قال قال رسول اللهﷺ يوم بدر : « لا تواروا إلا مَن كان كَميشا » يعني مَن كان ذكره صغيراً ، وقال : « لا يكون ذلك إلا في كرام الناس »(٣٢٠٤) . أقول : معنى كميش أن ينكمش ذكره لبرد ونحو ذلك ، ويقولون في اللغة : تَكَمَّشَ جِلْدُه أي تَقَبَّضَ واجتمع ، وهي كلمة معروفة اليوم عند العوام حيث يقولون عن القماش الجديد بعد غسله إنه انكمش أو لم ينكمش . على كلٍّ ، هذه الرواية هي من الروايات المضحكة بل لعلّها مخترعة أو فيها اشتباهٌ في النقل ، فهناك تساؤلات عديدة تنشأ من الرواية : ١ ـ كيف لا يَعرف رسولُ الله ومن معه
(٣٢٠٤) ثل ١١ ب ٦٥ من أبواب جهاد العدوّ ح ١ ص ١١٢ .
١٩١٦
‹