الطهارة
صفحة ١٩٧٥ من ٢٠٢٦

للميّت ، ولأصالة عدم اشتراط الإستئذان في صحة هذه التجهيزات ، فالإستئذانُ منَ وليّ الميّت هو مجرّدُ حُكْمٍ تكليفي ناشئٍ من حقّه وولايته على الميّت من دون أن يكون شرطاً في صحّة التجهيزات المذكورة . نعم يستحب على غير الوليّ الإستئذانُ من الوليّ إن أراد الصلاةَ على مَيّته لأنّ الإستئذان منه هو قضية إجتماعية بحتة لا أكثر حيث إنّ أولياء الميّت يرون أنّهم أحقُّ الناس بمَيّتهم ، فكان اللازمُ عرفاً مراعاةَ شعورهم وحُزْنهم وذلك من باب اللياقة واحترام أهل الميّت ، وإلا فتجهيزاتُ الميّت هي من حقوق الميّت الواجبة علينا جميعاً ولذلك لو امتنع الوليُّ منَ المباشرة أو من الإذن فإنه يَسقُطُ اعتبارُ إذنه .

ولذلك كان الأحوط وجوباً عدمَ أخذِ الأجرةِ على تغسيل الميت وذلك لأنه حقٌّ شرعي واجب للميت على المسلمين كوجوب الصلاة على المكلّف ، بل حتى لو كان داعيه إلى التغسيل هو القربة وكان الداعي على (التغسيل بقصد القربة) هو أخْذَ الأجرةِ كان في أخذ الأجرة شيءٌ من الإشكال لاحتمال بطلان هذه المعاملة وذلك لما قلناه من أنّ تغسيل الميّتَ حقٌّ للميت على المسلمين فهو بمثابة أداء الدَّين الشرعي للميت ، ولصعوبة التصديق بأنّ المغسّلَ يَقصُدُ القربة إلى الله تعالى مع أنه في قرارة نفسه يَقصُدُ الأجرةَ المالية ، ولذلك أجمعت الطائفة على حرمة أخذ الأجرة ـ على ما قالوا ـ لأنه من المجّانيات إلا منَ السيد المرتضى ، ولعلّه لما ذكرنا ترى السيرة المتشرّعية قائمةً على أنهم لا يأخذون الأجرةَ على التغسيل والتحنيط والتكفين ، وإنما تُعطَى لهم هديةٌ أو يعطَى لهم مالٌ مقابل بعض المستحبات .

لكن رغم هذا الكلام يمكن القول بأنه لو أتى بالغُسل قربةً إلى الله تعالى وبداعي قصد امتثال أمر الله فلا تبعد صحّة الغسل وكونُه عبادة محبوبة للمولى تعالى وإن كان قد أتى به بداعي الأجرة ، وذلك لأنه أتى به صحيحاً كمَن يُصَلّي خوفاً من دخول النار ، ولولا الخوف من دخول النار لما صلّى ، وهكذا أكثرية الناس بلا شكّ ، وبهذا الوجه قالوا بتصحيح أخذ الأجرة من باب الداعي إلى الداعي ، فلا منافاة بين العبادة وبين أن يكون الداعي إليها أمراً دنيوياً أو دخول الجنة وليس لأنّ الله جلّ وعلا أهلٌ للعبادة ولوجه الله خالصاً ، المهم أن يكون المأتيّ به عبادة ولو كانت الغايةُ منها أمراً دنيوياً كما في طواف النساء ، فإنه أمرٌ عباديّ مع أنّ هدفَ الطائف منه هو تحليلُ النساء له وليس لوجه الله تعالى خالصاً ، أو كما لو قام فصلّى بعضَ النوافل بداعي أن يستجيب اللهُ له أدعيتَه الدنيوية كالتخلّص من الفقر مثلاً . أمّا لو كان داعيه على التغسيل هو أخْذَ الأجرةِ وليس قصدَ الإمتثال ، فهذا ينافي تحقُّقَ قصدِ