السابقة من قبيل صحيحة الحلبي السابقة عن أبي عبد اللهﷺ قال : « لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف المَيتة ، إنّ الصوفَ ليس فيه روحٍ » .
قلتُ : هذا الإستدلال قد يكون له وجه لولا وجودُ معارِضات تمنع من الأخذ بها ، والمانع هو وجود بعض الروايات تقول بنجاسة شعر الكلب من قبيل :
١ ـ ما رواه في يب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن الفضل (بن عبد الملك ، ثقة عين) أبي العبّاس البقباق قال قال أبو عبد اللهﷺ : « إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبةً فاغسله ، وإن مسّك جافاً فاصبب عليه الماءَ » ، قلت : ولمَ صار بهذه المنزلة ؟ قال : « لأنّ النبيّﷺ أمر بغسلها (١٩٠) » صحيحة السند ، والقدر المتيقّن من الملامس هو شعر الكلب ، ومثلها ما بعدَها .
٢ ـ ولما رواه في التهذيبين بإسناده الصحيح عن الحسين بن سعيد عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللهﷺ عن الكلب يصيب شيئاً من جسد الرجل فقال : « يغسل المكان الذي أصابه » صحيحة السند ،
(١٩٠) وفي نسخة "أمر بقتلها" . أقول : كلتا النسختين محتملتان ، فقد روى الشيخ حسن صاحب المعالم في (منتقى الجمان) ج ١ هامش ص ٨٨ قال : روي عن أمير المؤمنينﷺ أنه قال : "بعثني رسول اللهﷺ إلى المدينة فقال : « لا تدع صورةً الاّ محوتها ، ولا قبراً إلا سوّيته ، ولا كلباً الاّ قتلته »" ، والخبر في يب باب تطهير الثياب تحت رقم ٤٦ . وإني أظنّ أنّ المراد بالمدينة هي مكّة المكرّمة ، وذاك لأنّي لم أجد في التاريخ أنّ أمير المؤمنينﷺ قد دخل المدينة المنوّرة قبل رسول الله ، وعلى أيّ حال فسواء كان المراد من المدينة هي المدينة المنوّرة ـ ولو بعد دخول رسول الله إليها بفترة من الزمن ـ أو كانت مكّة المكرّمة فقد يكون الأمر بقتل الكلاب في المدينة المنوّرة ناشئاً من ضرورة أن تكون مدينة رسول الله آمنة على المسلمين الذين يريدون العيش فيها بأمان بعد أن زادت الكلاب الهراش فيها لكثرة المعارك بين الأوس والخزرج ، والأمر بقتل الكلاب فيها قد يكون أمارة عدم الحاجة إليها بعد اليوم ، وكذا ينبغي أن تكون مكّة المكرّمة أيضاً آمنة ولو نفسياً ، لا أن ينبح الكلاب على الحجّاج إذا أرادوا الذهاب إلى المسجد الحرام ليلاً ، فإنّ هذا يعيقهم عادةً ، إضافة إلى احتمال دخول الكلاب إلى المسجد الحرام فينجّسونه ، لكن مع ذلك يبعد صحّة نسخة الأمر بقتلها ، لعدم وجود مناسبة بين الأمر بالتطهير والتعليل بالقتل .
٢٠٣
‹