الطهارة
صفحة ٤١٣ من ٢٠٢٦

، حتى وإن استلزم حفرَ الأرض ـ كما كان في الزمان السابق ـ وهذا لا يصدق عليه أنه تخريب للمسجد ، وإنما هو مقدّمةٌ لإصلاحه ، كما هو الحال في تخريب المسجد لتوسعته مثلاً أو لإحداث باب له ونحو ذلك ممّا فيه صلاح المسجد . ولك أن تقول ذلك يجوز لغلبة المصلحة على مفسدة التخريب . إذن يجب أن يُدرَس الحالُ : هل أنّ المصلحة أهمّ من مفسدة التخريب أم لا ، فإن كانت المصلحة أهمّ جاز بل قد يجب أحياناً ، خاصة إذا وُجدَ الباذل للتصليح فيجوز الحفر بلا أيّ مانع ، وذلك لأهميّة إزالة النجاسة على مفسدة الحفر لوقت قصير ، وخاصةً إذا كانوا يريدون تحسينَ الوضع عمّا كان عليه . ولا شكّ في فائدة الرجوع إلى قاعدة البراءة في التخريب للإصلاح في بعض حالات الشكّ .

وأمّا إن كانت المفسدة أشدّ من المصلحة لم يجز ، وح يجب الإقتصار على أقلّ قدر ممكن من التخريب لأجل إزالة النجاسة ، كما لو فرضنا إمكان طمّ النجاسة من دون تخريب المسجد ، أو كان يمكن الحفر قليلاً والتطهير بحيث لا يفسد إلاّ الشيء اليسير ثم يُصلح فوراً .

إذن المسألة مسألة تزاحم في الملاكات ، فهي إذن مسألة عقلية محضة ، فمثلاً إن لم يُعرَف الأهمّ وجب العمل بالظنّ ، فما يُظنّ أهميّته يُعمل على أساسه وهكذا ، إذن فالنظر دائماً إلى لزوم تقديم مصلحة المسجد .

(٢١٠) لأنه تكليف آخر لا دليل عليه ، لا بل هذا التكليف هو عبارة عن الضمان ، والأصل في هكذا حالة عدمُه .

توضيح ذلك : لو توقّف إنقاذُ الناس من حريق بيتهم على تدمير بعض حيطان البيت وجب ذلك ، ولكن لا يجب ـ عقلاً وبالإجماع ـ إصلاحُ بيتهم وضمان ما خرّبوه ، لأنهم إنما خرّبوا بيتهم لإنقاذهم ، فينبغي أن يشكر أهلُ البيت المنقذين على ذلك ، لا أن يضمّنوهم إصلاحَ الحائط !! يقول الله تعالى﴿ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ من سبيل ﴾(٤٨٧) ، وهذا يُعدُّ شرعاً من الأُمور الحسبية التي يحتسب فيها المنقذُ عَمَلَه في سبيل الله ويكون أجرُه فيها على الله تعالى . ولك أن تقول : هناك إذن من الشارع المقدّس في هكذا حالات في تخريب المسجد لإصلاحه ، ولكن لم يثبت ـ بل يبعد جداً ـ وجوب الإصلاح بعد ذلك ، بل لم يثبت هكذا تكليف آخر ، وإن كان يحسن جداً ، وللمصلح أجر عظيم . كما كان الأمر فيمن هدم الحائط لإنقاذ الناس

(٤٨٧) التوبة ـ ٩١ .

٤١٣