الطهارة
صفحة ٥٠٧ من ٢٠٢٦

* وهل أنّ تقديم الأهمّ في مسألتنا هذه هو من باب التعارض ـ كما ذهب إلى ذلك السيد الخوئي رحمه الله وحشرنا معه ـ لأنّ الشكّ فيها في مرحلة الجعل ؟ وبتعبير آخر : هل أنّ الموجود في اللوح المحفوظ هو وجوب تطهير البدن في هكذا حالة دون الثوب ، أم الواجب هو تطهير الثوب دون البدن ؟ وبتعبير ثالث : المشروط في مرحلة الملاك هو إمّا طهارة البدن وإمّا طهارة الثوب ، فإذن هناك ملاك واحد أو قُلْ مقتضي واحد في هكذا حالة وهو إمّا وجوب تطهير البدن وإمّا وجوب تطهير الثوب ، وهذا هو التعارض ، لأنّ وجوب تطهير أحدهما ينفي وجوب تطهير الآخر في مرحلة الجعل ويكذّبه ، إذن فيستحيل جعلُهُما معاً لاستلزامه التعبّدَ بالضدّين ، المهم هو أنه لا يمكن تشريعهما معاً ، وهو عينُ التعارض .

أم أنّ مسألتنا هي من باب التزاحم ، لأنّه لا مشكلة من حيث وجوب تطهير البدن وتطهير الثوب ، فهذان أمران معلومان ، وأنّ موضوع المعارضة إنما يكون مورداً واحداً ، كما لو جاءنا دليل على وجوب القصر في الصلاة في الحالة الفلانية وجاءنا دليل آخر على وجوب التمام فيها ، فلا شكّ أنه يكون بين الدليلين تعارض ، فلا بدّ من الرجوع إلى قواعد التعارض المعروفة ، وموضوع المزاحمة يكون موردين ، والمشكلةُ هنا هي في موردين وهي في الجمع بين التطهيرين ـ المعلومَي الوجوب ـ في مرحلة الإمتثال ؟

الجواب : لا بُدّ أوّلاً من بيان أنّ بعض الأحكام الشرعية مشروطة بالقدرة الشرعية ـ كما في مسألتَي الصيام والحجّ ـ وبعضها مشروطة بالقدرة العقلية ـ كما في قضيتَي الصلاة ولزوم إزالة النجاسة من المسجد ـ ويكون التقييد بالقدرة في الأُولى في مراحل الملاك والجعل والفعلية ، وفي الثانية في مرحلة الإمتثال ، وذلك لأنّ المولى تعالى قد يحبّ صدور الفعل الفلاني من خصوص القادر الذي لا يقع في العجز أو الضرر ، كما في الصيام والحجّ ، وقد يحب حصول الشيء مطلقاً حتى من العاجز ، كقتل المشركين ، ولذلك لا يَذكر المولى تعالى التقييد بالقدرة في هذه الحالة الثانية ، ففي هذه الحالة الثانية تكون الصلاة وإزالة النجاسة من المسجد محبوبتين مطلقاً ـ أي على صعيد الملاك ـ أي حتى من العاجز .. لكن لعدم إمكانهما عملياً ترتفع المنجّزية فقط عن الوجوب ، وتبقى المحبوبية وبالتالي الفعلية ، وفي هكذا حالة لا حاجة إلى لزوم تشريع تقييد وجوب الإزالة أو الصلاة بالقدرة عليهما ، لأنه شرط عام واضح معلوم عند كل الناس ، فلو لم يستطع المكلّف على الإزالة أو على الصلاة مثلاً لتزاحمها مع ما هو أهمّ ـ كإنقاذ الغريق ـ لوجب عقلاً تقديمُ الأهمّ ، وتبقى فعلية وجوب الإزالة والصلاة قائمتين ، لإطلاق محبوبيتهما

٥٠٧